صديقي الملحد.. هل تعلم أنك مقنع جدا؟

لما رأيت والدة زميل ابني الصيني بالمدرسة أعدت مقدمة صغيرة مناسبة لعمر الأطفال لتعريفهم بالتاريخ الصيني بمناسبة رأس السنة الصينية، وكذلك أحضرت بعض الحلوى والسكاكر ذات الطابع الصيني وصنعت للأطفال أوراق مروحية على طريقة الـ Origami وهو فن طي الورق، وعاد الأطفال ومن بينهم ابني في غاية السعادة، فألهمتني لأعد مقدمة صغيرة عن رمضان أو قبس من الثقافة الإسلامية وكيف يحتفل المسلمون خصوصا العرب في شتى أقطار الأرض. ولم أكذب خبرا، أعددت المقدمة بصور مبهجة وألوان وبلونات، وأعددت بعضا من حلوي الكنافة والبقلاوة للأطفال وأكياس صغيرة بها لعب وحلوي للأطفال، كانت تجربة مفرحة وردود فعل الأطفال لما علموا أن المسلمين يصومون طيلة يوم كامل دون شربة ماء لازالت تبهج قلبي كثيرا.

 

براءتهم شيء لا يمكن وصفه بكل كلمات المعاجم والقواميس! وانتهي اليوم وانتظرت ابني بعد المدرسة لنعود للبيت، وعلى عكس ما توقعت، وجدته حزينا كسيرا وعينيه ذابلتين وأقرب للبكاء، فسألته عما يبكيه.. أخبرني أن زملائه تناوبوا السخرية منه ومن دينه، بل إن بعضهم طلب منه صورة فوتوغرافية لربه وسأله هل رأي ربه من قبل أم لا! في البداية قررت ألا أشارك في أي نشاط مرة أخري، لأجنب أطفالي تلك المواقف، الأطفال ما زالوا صغارا للتعامل مع هذا القدر من الجهل وعدم احترام الآخر. لكن بعدها ظللت أفكر، هل لو اكتفينا بثقافتنا لأنفسنا احتراما لأنفسنا وخوفا من النقد والأذى النفسي، هل هذا سيغير شيء؟ هل هذا سيكسبهم احترامنا؟

 

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية وفي مواجهة ظاهرة شيطنة المسلمين وكل ما هو إسلامي بدأت بعض الطوائف الأمريكية في أن تنشئ حركات لنبذ التطرف الديني وإثراء التبادل الثقافي

كل مرة أخرج للشارع بحجابي أشعر أن نظرات الجميع حولي، مرات عديدة يخرج أحدهم وجهه من نافذة سيارته ليلعنني أو يصرخ ليخيفني، أو تخرج تلك رأسها من نافذة سيارتها لتنظر لي بازدراء. أو ذاك البائع الذي يجيب على أسئلتك في عبوس واقتضاب، بينما يرد على من قبلك ومن بعدك من الزبائن برحب وسعة، ربما هي مضايقات صغيرة أو لن يعتبرها البعض شيئا، لكنها تزيد من شعورك بالوحدة والعزلة طالما كنت من الأقليات، ولكن بمرور الوقت اكتشفت أنه شعور عام أو جزء من الثقافة الأمريكية التي ترفض الأسود وتزدري من لا يتحدث الإنجليزية وتسخر من ذوي الاحتياجات الخاصة وتعزل المختلف.. إذن ما الحل؟

 

الحل أن تدمج نفسك وتفرض نفسك عليهم.. تعلم لغتهم.. ادخل مجتمعهم.. احضر اجتماعاتهم واذهب لحفلاتهم أو حتى اقرأ عن ثقافتهم في كتبهم. ربما لم يتعرض الكثيرون لنصف ما تعرضت له من مضايقات، حتى أكون صادقة في نقل الصورة، ليس الجميع كذلك بالطبع ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك مضايقات.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية وفي مواجهة ظاهرة شيطنة المسلمين وكل ما هو إسلامي بدأت بعض الطوائف الأمريكية في أن تنشئ حركات لنبذ التطرف الديني وإثراء التبادل الثقافي وتشجيع حوار الأديان أو ما يطلق عليه بالإنجليزية Interfaith dialogue ولما علمت أن المسجد المحلي بالولاية التي أقطن بها قد خصص برنامجا خاصا لتبني هذه الأفكار ويدعو غير المسلمين لحضور ندوات ثقافية بالمسجد كنت في غاية السعادة من خلال الاجتماعات والندوات التي تقيمها مجموعات المتدينين و المثقفين أصبح هناك نوعا ما مساحة من الرأي تمكن المسلمين وغيرهم من الأقليات الدينية و العرقية من التعبير عن أنفسهم وإظهار الجانب الجيد في ثقافتهم والذي تتجاهله أو تطمسه و تكذبه وسائل الإعلام الأمريكي.

 

فبات من الصعب أحيانا الاندماج وسط المجتمع دون اتهامات أو سخافات أو أسئلة مقيتة أو أن تحافظ على وظيفتك وأنت مرتدية الحجاب -إلا لو كانت قوانين الشركة التي تعمل بها تحترم هذا وتحض عليه-، الكثيرات يخلعن الحجاب ليحصلن على وظيفة أو حتى تمشي بأمان في الشارع أو ترتاد الأماكن العامة دون مضايقات أو خوف! وفي أحد الأمسيات بأحد الكنائس ذهبت لندوة ثقافية لدعم الحوار بين الأديان، وللعجب كان أحد المتحدثين بالندوة رجلا ملحدا، عرف نفسه وكان رجل ذو علم وله باع طويل في مجال التكنولوجيا، وكان متمرسا في خطابه مما يدل أنه ليس الأول.. كان بليغا فصيحا وقوي الحجة، من ثباته ورجاحة عقله شعرت بالدونية ونقص الحجة مما جعلني كفرد من الجمهور أقول لنفسي: "والله مش كلهم ملاحدة عن جهل".

وكانت الجلسة في منتهي الرقي والاحترام، كل يدلي برأيه ويتحدث عن دينه ولم يسئ أحدهم إليه، بل على العكس. المتحدثة الكاثوليكية تحدثت عن التاريخ الدامي للكاثوليك بمنتهي الصدق وتحدث المتحدث المسلم عن بعض المفاهيم الخاطئة التي تتداولها وسائل الإعلام عن ماهية الإسلام بمنتهي الوضوح، وللعجب تحدثت إحدى المتحدثات من الطائفة المسيحية اليونيفرساليست عن ديانتها واكتشفت الشبه بين معتقدهم عن المسيح عيسى أنه ليس ابن الله وبين معتقد المسلمين بذلك أيضا.

كان حوارا راقيا وإن لم يخلوا من بعض الانتقادات والأسئلة المحرجة ولكن لو كان المتحدث متمرس ومخضرم لن يأخذ الأسئلة على محمل النقد والتجريح ولكن سيأخذها على محمل فضول الآخرين.. هم فقط يريدون المعرفة. أما عن المتحدث الملحد فكان مبهر حقا ويعرض نقاطه بوضوح وباحترام ويستفيض في عرض وجهة نظره على نحو يشير إلى سعة الصدر وقبول الآخر، فلم تجد بين أحرفه ثغرا يسمح لك بالتهكم عليه أو نقده.. سبحان الله.. حديثه وصل حد الإقناع وطريقة عرضه توهمك أنه علي حق، وظل عشرات المرات يؤكد أنه ليس هنا للجدل أو فرض الوصاية.

إن كنت ستصدق كل ما تقرأ.. لا تقرأ! وإن كنت ستصدق كل ما تسمع.. لا تسمع.. لا تنبهر بحسن المظهر وطلاقة الحديث.. لا تكذب عينك لتري من زجاج نظارة أحدهم!
 

تجد داخلك رغبة أن تسبه أو تنقده لأن منطقه صريح وصادق وأنت "كمؤمن بوجود الله" لا تستطيع محاججته.. أنت لا تستطيع أن تتهمه بالجهل فلديه منطق وهو شخص علي علم، وأنت لا تستطيع أن تسبه لأنه يحاججك باحترام، ولا تستطيع نقد فكره لأن أسلوبه كالسم في العسل، ولولا أنني أؤمن بوجود الله حقا وأعلم أنني لو استوقفته بالهتاف والنقد لن يكون هذا في صالح ما أؤمن به.. لحاججته.. تمنيت ان أقف لأحادده أو أن ينطق أحدهم بالحق فيخرسه بقوة الحجة ونور العلم.

ولكني لم أفعل، تشككت في قوة حجتي وظننت أنه قد لا تسعفني البلاغة، ماذا لو غلبني ؟.. وماذا لو كان من بيننا مَن إيمانه على حرف؟ في الأغلب سيتبع ما قال ذاك المتفيهق، سيتبعه ولن يحدث نفسه أنه يتوجب عليه أن يتعلم عن مالا يعرفه من دينه، ويتحرى المصادر ويستمع لمختلف آراء العلماء بدلا من تبني رأي أحدهم لمجرد أنه لقي هوا في نفسه! فطريقك للبحث عن الله يسير حسب هوي نفسك، لو أردت أن تجد الله، فستجده تجاهك.. سيهديك، وإن أردت أن تنكر وجوده.. ستحيد وسيضلك.

ومرت دقائق معدودة على حديث صاحبنا الملحد هذا، وقامت سيدة خمسينية تعقص شعرها للخلف وترتدي السواد ونظارة سميكة.. بدت من هيئتها من المسيحيين المتدينين بل والمتحفظين أيضا، قامت وعرفت نفسها، ولم تكذب ظني لما حدثت الجميع عن تمسكها بعقيدتها وعن دينها وهويتها والتي أصبحت سببا في انفصالها الثقافي عن زوجها الملحد والذي لديه من سحر الحديث وفنون اللباقة ما جعل منه متحدثا رسميا باسم الكفر ينطق بما يكره الله في بيوت الله علي أعين الناس.. ثم قالت:

 

أنا زوجة هذا الملحد المثقف العالم للأسف، ولكم أن تتخيلوا كم الجدل في بيتي.. ليس حتى للإقناع، وإنما للعيش بسلام! وحينها بُهت الذي كفر! هنا ساورتني جملة طريفة للكاتب الكبير أنيس منصور "إن كنت ستصدق كل ما تقرأ.. لا تقرأ"! وسأزيد على ذلك "إن كنت ستصدق كل ما تسمع.. لا تسمع.. لا تنبهر بحسن المظهر وطلاقة الحديث.. لا تكذب عينك لتري من زجاج نظارة أحدهم!".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة