الفساد في عالم العرب.. عندما يجتمع القمع والجشع!

"يوجد في هذا العالم ما يكفي لسد كل حاجات الإنسان.. ولكن ليس ما يكفي لإشباع جشعه!"

– المهاتما غاندي

 

الفساد، من أكثر الكلمات تمثيلا لطمع الإنسان وجشعه، هو ظاهرة قديمة قدم التاريخ البشري. فلا نكاد نجد مجتمعا من المجتمعات القديمة أو الحديثة لم تعرف الفساد مع اختلافات بالطبع في طرقه ومستوياته. إلا أن الفساد في عالمنا اليوم قد وصل لمستويات كارثية باعثة على الصدمة والذهول. فوفقا لتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في شهر أيلول الماضي، فان كلفة الفساد العالمي قد تصل لحوالي تريليونين ونص الترليون دولار سنويا، أو ما يعادل خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يزيد عشرات الأضعاف عن قيمة المساعدات الإنسانية التي يتم تقديمها سنويا لمئات الملايين من الفقراء والمهجرين والمشردين حول العالم. يمكن تعريف الفساد تبعا لمنظمة الشفافية الدولية بأنه إساءة استخدام السلطة العامة من أجل تحصيل مكاسب شخصية. ويمكن أن يقسم الفساد إلى ثلاثة مستويات:

 

الفساد الصغير Petty Corruption: وهو الفساد الذي يتم على يد موظفي الطبقة المتوسطة او الدنيا من الإدارات العامة ويكون جمهوره عادة مجموع المواطنين العاديين الذين يرغبون بالحصول على خدمات عامة أساسية كالتعليم او الصحة او مساعدة الشرطة او غير ذلك. وتكون المبالغ المصروفة في هذا النوع من الفساد غالبا صغيرة.

 

الفساد الكبير Grand Corruption: وهو الفساد الذي يتم على يد موظفي السلطة العامة في المستويات الادراية العليا وتكون المبالغ فيه اكبر بكثير ن النوع الأول.  

الفساد السياسي Political Corruption: يشير الى تلاعب أصحاب القرار السياسي في الدولة بسياساتها العامة ومؤسساتها او بقواعد الإجراءات فيها من اجل تحصيل موارد تحافظ على ثروتهم او مركزهم او قوتهم على الساحة السياسية.

 

الفساد في العالم العربي
الأنظمة الدكتاتورية القمعية ليست بالضرورة فاسدة ماليا. فلدينا العديد من الأمثلة عن قادة دكتاتوريين حكموا بلادهم بالحديد والنار إلا أنهم لم يكونوا فاسدين

للأسف، يحتل عالمنا العربي في معظمه مكانة مرموقة في قائمة الدول الأكثر فسادا. فوفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية للعام الماضي 2017، فإنه باستثناء الإمارات وقطر لا توجد أي دولة عربية بين أول خمسين دولة في القائمة. نعم، هذا الكلام صحيح ومألوف للمواطن العربي العادي، فقد أضحت معظم أوطاننا مرتعا للفساد والمفسدين. فالمواطن العربي لا يكاد يلتفت يمنة ولا يسرة إلا رأى الفساد بالعين المجردة أو أحس بوجود آثاره في كل ما يدور حوله. وبينما يتحدث الناس بإعجاب وغبطة عن النظام والانتظام وسيادة القانون والعدالة والتكافل الاجتماعي في بلاد الغرب، يتساءلون بحسرة وحيرة، لماذا ينهش الفساد أوطاننا ويسرق خيراتنا؟

كثير من الدراسات العلمية التي حللت العلاقة بين الفساد في الدولة ومستوى الديمقراطية فيها انتهت إلى وجود علاقة عكسية بين الاثنين[1]. فكلما ارتقت الدول في مستوى الديمقراطية كلما انخفضت مستويات الفساد فيها دون أن يدعي أحد بأن الفساد يمكن أن يصل إلى درجة صفرية في أي مكان في العالم. تبدو العلاقة العكسية بين الديمقراطية والفساد طبيعية ومفهومة. فالديمقراطية مرتبطة أساسا بسيادة القانون وحرية التعبير، وهما الركنان اللذان لا غنى عنهما لفضح الفساد ومحاسبة المفسدين، إلا أن الأمور قد تكون أعقد من ذلك!

 

في الحقيقة، الأنظمة الدكتاتورية القمعية ليست بالضرورة فاسدة ماليا. فلدينا العديد من الأمثلة عن قادة دكتاتوريين حكموا بلادهم بالحديد والنار إلا أنهم لم يكونوا فاسدين. زد على ذلك بأن فترات حكم أمثال هؤلاء كانت تتميز بانخفاض حاد في منسوب الفساد المالي على جميع المستويات نظرا لعدم تجرؤ أحد على استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية. فالرئيس البوروندي ميشيل موكمبيرو مثلا بين عامي 1966 و1976 كان دكتاتورا شرسا، إلا أنه لم يكن فاسدا ولم يسرق خيرات بلاده، بل راكم في خزائنها مبالغ طائلة استخدمها خلفه جون باتيست باغازا (الذي انقلب عليه) في تطوير البلاد بشكل ملحوظ. فالدكتاتورية السياسية لا تؤدي إذن بشكل حتمي للفساد وإن كانت بالتأكيد أحد أهم عوامله.

 

بينما يصيح رئيس إحدى الدول العربية مخاطبا شعبه بأنهم "فقراء جدا" وأن عليهم التحمل والصبر وشد الحزام الذي قارب على الانقطاع أصلا لكثرة الشد، يقوم هو بوضع السجاد الأحمر ليسير موكب سياراته عليه لعدة كيلو مترات
 

ما يؤدي للفساد بشكل حتمي هو اجتماع الدكتاتورية السياسية مع الجشع الاقتصادي معا في النظام الحاكم، وهذه هي الحالة المسيطرة للأسف في معظم بلاد عالمنا العربي. وعلى الرغم من أن معظم البلاد العربية غنية بالموارد، إلا أن هذه الثنائية أدت إلى تراكم ثروات هذه البلاد في أيدي قلة قليلة من المتنفذين الجشعين. هذه الثروات في المكدسة لا يتم استخدامها في غالبيتها الساحقة لدفع أي عملية تنموية في البلاد، بل يكون مصيرها إما التهريب لتوضع في بنوك خارجية بأسماء وهمية حتى لا ينكشف أمرها، تماما كما يفعل اللصوص وتجار المافيا أو يتم دفعها لنيل رضا وقبول "ضباع العالم" لضمان دعمهم في البقاء والاستمرار في السلطة أو يتم إهدارها ليلا ونهارا بشكل مستفز ومثير للاشمئزاز أمام أعين الشعوب المسحوقة.  

 

في هذه الحالة يصبح انتشار الفساد حتميا كالمرض المعدي من رأس السلطة نزولا إلى كافة أعضاء الجسم السياسي والإداري للدولة. فالنظام الفاسد لا يمكن له أن يحيط نفسه بأشخاص ليسوا فاسدين، وهؤلاء بدورهم لا بد من أن يحيطوا أنفسهم بدائرة من المعاونين الفاسدين.. وبهذه الطريقة تماما تتوالى دوائر الفساد وتتشعب وصولا إلى أدنى المراتب الإدارية، فيضطر الناس للتعامل معها وتتحول تدريجيا بالتالي إلى ثقافة شعب إلا من رحم ربي.

 

إن محاربة الفساد في مثل هذه الحالات تتحول في كثير من الأحيان إلى مسرحيات كوميدية مضحكة ومبكية في الوقت ذاته. فبينما يصيح رئيس إحدى الدول العربية مخاطبا شعبه بأنهم "فقراء جدا" وأن عليهم التحمل والصبر وشد الحزام الذي قارب على الانقطاع أصلا لكثرة الشد، يقوم هو بوضع السجاد الأحمر ليسير موكب سياراته عليه لعدة كيلو مترات. أما في بلد أخر وبينما يقوم القائد المقدام بحملة شرسة لمحاربة الفساد والمفسدين من أكابر القوم في دولته، يقوم هو شخصيا بشراء يخت فاخر أو لوحة فنية بمئات ملايين الدولارات دون أن يرف له جفن ودون أن يخشى المحاسبة، بينما يرزخ الكثير من مواطنيه تحت خط الفقر.. فتخيل!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

[1] Fjelde, H., & Hegre, H. (2014), Political corruption and institutional stability. Studies in Comparative International Development, 49(3), pp. 267–299.



حول هذه القصة

قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إن الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان خط أحمر لا يسمح بالمساس بهما، مضيفا أن العقوبات الأميركية فردية ولم تستهدف الحكومة السعودية.

20/11/2018

رغم عودة الهدوء والاستقرار النسبي في مناطق سورية، فإن مأساة مئات آلاف النازحين تتجدد مع كل شتاء، خاصة أن هذا الشتاء يحمل معه قسوة ربما لم يروها من قبل.

20/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة