الخضوع لأمريكا ليس عيبا ولا عارا!

ولعلنا نلحظ عادة كيف أن مرشح رئاسة أمريكي يشن هجوما ويطلق تهديدات ويرغي ويزبد ضد نظام عربي ما، ولكنه بعد فوزه يهدئ من فورة غضبه تدريجيا، وصولا إلى التواصل والتعاطي بإيجابية معه. وتفسير هذا الانقلاب هو أن دول المؤسسات، حينما يفوز شخص في الانتخابات فإن الأجهزة الفاعلة تضع أسرار الدولة بين يديه، والأجهزة تزوده بالحقائق بعيدا عن الصخب والضجيج الإعلامي، وسيعلمونه بحقيقة أن الذي تهاجمه وتتوعده وتعتبره عدوا لدودا لأمريكا هو في الحقيقة (بتاعنا). وليس ما قد يقال بأن السبب هو بيع أوهام للناخبين؛ لأن الناخب الأمريكي ميزانه الأول هو الاقتصاد، وفي الشأن الخارجي فإن المترشحين يحرصون على الثابت المعروف، وهو دعم إسرائيل بالمطلق خاصة أمنيا.

 

تضارب ينم عن التنافس

وقد نرى أحيانا تباينا أو ما يشبه التضارب أو التناقض في المواقف الأمريكية من مسألة معينة في بلاد العرب، وهذا لا يعود بالضرورة، إلى ما يميل الناس عادة إلى اعتباره توزيعا للأدوار والمهمات بين مختلف الأجهزة الأمريكية، بل هو على ما يبدو-وهذا ما أرجحه- يأتي من باب التنافس المكتوم الذي يطفو جزء منه على السطح بين هذه الأجهزة والمؤسسات الأمريكية.

 

فالولايات المتحدة دخلت إلى المنطقة واخترقتها أفقيا وعموديا، بحيث صار لكل مؤسسة أو وحدة سياسية أو أمنية أو لوبي (جماعة ضغط) تُعنى بالشأن العربي من أي زاوية كانت (رجال) ومؤسسات (إذا جاز لنا أن نسميها بهذا الاسم) في الأقطار العربية؛ فالجمهوريون لهم رجالهم ومؤسساتهم في شتى الأقطار العربية، مثلما للديموقراطيين (بضاعة مشابهة) ووزارة الخارجية لها رجالها، ودوائر البيت الأبيض لها رجالها، والبنتاغون له رجاله، وأجهزة المخابرات والأمن (أشهرها C.I.A) لها رجالها ومؤسساتها، واللوبي اليهودي له في بلاد العرب رجال ومؤسسات.. بحيث لو نظرنا إلى الخريطة لوجدناها مقسمة بين تلك الجهات الأمريكية النافذة، ولو كانت القسمة غير متساوية طبعا!

 

إذا لم يكن ثمة سفير أمريكي في قطر عربي ما، وكانت السفارة مغلقة رسميا، فهذا لا يعني أن ذلكم القُطر متحرر من الهيمنة الأمريكية، ويملك قراراه، لا بالطبع

ولهذا ربما تنتهي المنافسة بين هذه المكونات أو المحاور التي تسعى لاستقطابات واسعة، والتي تخترق الجسد العربي، بتسويات وتفاهمات معينة أو تقديم أكباش فداء، إضافة إلى صفقات أمنية أو سياسية، ومؤخرا صرنا نلحظ تمظهرات تلك المنافسات والاستقطابات وانعكاساتها في بعض الملفات…ولكن كما قلت قبل قليل، نحن نميل إلى اعتبار ما يجري محض تقاسم وتوزيع أدوار، وبرأيي هذا التقاسم وتوزيع الأدوار ربما كان قبل 20 سنة أو أكثر، أما الآن فلا.

 

ليست السفارات فقط

وما يقوله الناس على سبيل التندر الحامل لجدية محزنة مؤلمة للحالة العربية، بأن السفير الأمريكي في أي عاصمة عربية هو الحاكم الفعلي، وهو الآمر الناهي، وهو يتدخل في كل شاردة وواردة، وتعرض عليه ربما خطب الجمعة التي تعدها وزارات الأوقاف لخطباء المساجد كي يصادق أو يعدل عليها… إلى غير ذلك من أمور داخلية، هو قول لا يبتعد كثيرا عن الحقيقة، مع ضرورة الإدراك بأن الأمر ليس مقتصرا فقط على السفير؛ فحتى إذا لم يكن ثمة سفير أمريكي في قطر عربي ما، وكانت السفارة مغلقة رسميا، فهذا لا يعني أن ذلكم القُطر متحرر من الهيمنة الأمريكية، ويملك قراراه، لا بالطبع.

 

فالسفارات الأمريكية، مع الإقرار بما لها من دور يتعدى المهمات الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول، إلى ما هو أخطر بكثير؛ كون السفارات قلاع تجسس تتجاوز حيزها الجغرافي، وغرف عمليات معقدة، وأوكار لحياكة المخططات التدميرية، مع الإقرار بهذه الحقيقة، ولكن السفارات ليست الأداة الوحيدة لهيمنة أمريكا، فثمة أدوات تحكمّ نعرفها جزئيا أو كليا، وأدوات لا نعلم عنها شيئا حتى الآن وقد يصاب كثير منا بالدهشة حين يكشف عن بعض أسرارها في يوم ما.

 

ما العيب في ذلك؟

الآن نأتي إلى مسألة طبيعة العلاقة التي أشرت إليها سابقا، حيث أن هناك من لا يجد مشكلة أو عارا أو عيبا أو أي نقيصة من هذا التحكم الأمريكي، الذي يتفق معظمنا على أنه مطلق ويخترق مسامات الأقطار العربية تماما، فلا يجد أصحاب هذا الرأي مشكلة في هذه العلاقة، ويستعملون عبارات تزيينية مضللة لتعريفها، ويرونها طبيعية وطبيعية جدا في عالم السياسة وسياقات النظام الدولي القائم، وفق اعتبارات عدة منها:-

 

1) الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر وأقوى دولة في العالم، وخرجت منتصرة بلا خسائر تذكر من الحرب العالمية الثانية (1945) ومن الحرب الباردة(1991) وهي ذات اقتصاد قوي متين ولو شكك أحد بهذه الحقيقة؛ فيكفي أن عملة أمريكا (الدولار) هي العملة العالمية المتعارف عليها وتبرم بها صفقات التبادل التجاري بشتى أنواعه بين الدول في أرجاء المعمورة، وتقاس قيمة عملات الدول مقرونة بالدولار الأمريكي، كمقياس متفق دوليا عليه، وهي دولة بل هي ما يوازي امبراطورية عصرية لها قوة عسكرية هائلة، تستطيع تدمير العالم عدة مرات ببضع ضغطات على زر أحمر، وهي تترأس حلف الناتو، ومن الحماقة بمكان مناصبتها العداء، والحكمة تقتضي مداراتها إذا لم  تمنحنا صداقتها، ولو كان هذا بتقديم التنازلات المختلفة لها.

 

 ألمانيا وهي دولة صناعية كبرى، وبينها وبين العالم الثالث الذي منه الدول العربية، مسافة كبيرة تتفوق بها برلين في كل شيء، ومع ذلك ألمانيا تتبع أمريكا
 

وكل دولة عربية تعرف طبيعة التنازلات المطلوبة منها، في مجالات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، ولكن هذه التنازلات تقي العرب شرا أكبر وأخطر وهو الغضب الأمريكي الذي لا طاقة-وفق موازين القوى كلها- لدولة عربية أو حتى لكل الدول العربية مجتمعة به، خاصة وأن الغضب الأمريكي قد جرّبه العرب وخبروه جيدا في أحد أهم وأقوى وأغنى أقطارهم أي العراق، وقد دفع العراق والعراقيون، ومعهم عشرات ملايين العرب ثمنا باهظا من دمهم ومالهم وبنيتهم التحتية وحالتهم النفسية ووضعهم الاجتماعي، وأهدرت كرامتهم، وكان يمكن تجنب كل هذا بتقديم تنازلات، ولو كانت مؤلمة لأمريكا، فالثمن المدفوع سيظل أقل مما جرى!

 

2) لماذا نلقي باللائمة والعتب والتشويه وننبري لمهاجمة الدول العربية وهجائها وقذف حكامها، وكأنهم هم ابتدعوا وابتكروا التبعية السياسية لواشنطن، والارتهان لإرادتها، علما بأن هناك من سبقهم في ذلك، أو يفوقهم فيه بدرجات؛ فهذه ألمانيا وهي دولة صناعية كبرى، وبينها وبين العالم الثالث الذي منه الدول العربية، مسافة كبيرة تتفوق بها برلين في كل شيء، ومع ذلك ألمانيا تتبع أمريكا، وقوات أمريكية تربض فوق الأرض الألمانية، منذ عقود، ولا ينقص الألمان كشعب ما لدى العرب من أنفة وشعور بالتميز.

 

ومع كل ما لدى ألمانيا حين تقارن بالعرب صناعيا واقتصاديا وعسكريا، فإنها لا تناصب أمريكا العداء، بل لا تبتعد عن إرادتها.. وانظر مثلا إلى اليابان وكوريا الجنوبية، والتي لها حظ وافر من التقدم العلمي والتقني، ناهيك عن عدد من الدول الأوروبية وحتى بعض الدول التي كانت يوما ما في فلك موسكو، كلها ترضخ طوعا أو كرها، بطيب نفس، أو بألم يعتصر القلب، لإرادة واشنطن، بل تحرص على إرضاء الأخيرة، ولو تلقت منها إهانات واستفزازات، مثل ما يكشف كل فترة عن قيام الأجهزة الأمريكية بالتجسس على الساسة والمؤسسات في دول كبيرة ومهمة، ومع ذلك لا تناصب تلكم الدول أمريكا العداء، لأنها تعلم أن عاقبة ذلك وخيمة ومغامرة ضررها فظيع…وغير ذلك من الحجج، والتي بمشيئة الله سأناقشها في المرة القادمة، كي نتفق على تحديد حاسم لماهية العلاقة الأمريكية-العربية الرسمية.



حول هذه القصة

قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إن الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان خط أحمر لا يسمح بالمساس بهما، مضيفا أن العقوبات الأميركية فردية ولم تستهدف الحكومة السعودية.

20/11/2018

رغم عودة الهدوء والاستقرار النسبي في مناطق سورية، فإن مأساة مئات آلاف النازحين تتجدد مع كل شتاء، خاصة أن هذا الشتاء يحمل معه قسوة ربما لم يروها من قبل.

20/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة