الاعتداء على المصريين.. هل أتاك حديث الكرامة؟

شهد الأسبوع الثانى من شهر نوفمبر 2018 جدلا على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك على إثر نشر مواطنة مصرية مقيمة بدولة الكويت مقطعا مصورا قالت فيه أنه تم الاعتداء عليها من جانب ثلاث سيدات كويتيات. وكرد فعل من جانبها علقت وزيرة الهجرة المصرية/ نبيلة مكرم بقولها أن "كرامة المصري وبالأحرى كرامة المرأة المصرية خط أحمر، لكننا نحترم السلطة الكويتية والقضاء الكويتي".

 

ويبدو أن حديث الوزيرة المصرية عن "الكرامة" قد أثار اهتمام النائبة في مجلس الأمة الكويتي/ صفاء الهاشم فقامت برد يحمل نبرة "كيد النساء" بدلا من اتخاذه طابعا سياسيا ودبلوماسيا من جانب نائبة برلمانية، وأكدت فيه حرص السلطات الكويتية والقضاء الكويتي على كرامات الناس، متهكمة من استخدام الوزيرة المصرية كلمة "الكرامة" فأضافت أن الكويت قد أكرمت أناسا أكثر مما أكرمهم بلدهم. ثم تدنت في حديثها مستخدمة المثل المصري القائل "إن كنتوا نسيتوا اللي جرى، هاتوا الدفاتر تنقرا". وقد اعتبر إعلاميون وناشطون مصريون حديث النائبة الكويتية تطاولا على مصر وشعبها. الأمر الذي دفعهم إلى تلبية دعوة النائبة الكويتية فقاموا بفتح الدفاتر القديمة فيما يتعلق بتاريخ ومواقف مصر في دعم ومساندة الكويت، كما فتحوا أيضا دفاتر التاريخ الشخصي للنائبة حيث قاموا بسرد أحداث مشينة شابت النائبة في مراحل سابقة من حياتها على حد قولهم، وأيدوا ذلك بأسماء وأماكن وأحداث وأرقام محاضر شرطية وقضايا كانت طي الدفاتر القديمة.

 

وهو الأمر الذي لم تنفيه النائبة الكويتية. كما لاقت النائبة هجوما آخر من جانب بعض الإعلاميين الكويتيين ونواب آخرين بمجلس الأمة الكويتي ليس فقط فيما يتعلق بطبيعة وتبعات ردها على الوزيرة المصرية، بل وبالذمة المالية للنائبة والتي لم تسلم من اتهامات بالفساد. إن واقعة الاعتداء تلك ليست هي الأولى من نوعها التي يتعرض لها المصريون بالخارج لا سيما بدولة الكويت. ففي عام 2012 وقع اعتداء على الطبيبين المصريين "خيرت أحمد ومحمود توكل الله" في مستشفى الجهراء بالكويت. كما تعرض مواطن مصري للاعتداء من جانب رجال شرطة كويتين بمخفر شرطة "أبوحليفة" لإجباره على التنازل عن حقه بعد تعرضه لحادث مروري. وفى عام 2013 قتل المواطن المصري "هارون عبد العزيز" بالكويت. وفي عام 2015 قتل الشاب المصري "محمد صلاح يونس محمود" على يد كويتيين. وفى عام 2015 لقي الشاب المصري "أحمد عاطف" مصرعه في العاصمة الكويتية إثر دهسه عمدا عدة مرات بسيارة أحد الكويتيين.

 

من امتهن كرامة المصريات وأذلهن هو من تحرش بهن وهددهن وذويهن بالاغتصاب، بل وقام باغتصاب بعضهن في مدرعات وأقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز الأخرى

وفى عام 2016 تعرض شاب مصري لاعتداء من جانب كفيله فى منطقة العزيزية بالكويت، وأظهر فيديو هذه الواقعة اعتداء الكفيل على الشاب بالضرب بالعصا وبالأيدي، وسبه بألفاظ بذيئة، بعد أن أجبره على خلع ملابسه كلها. وفى عام 2017 اعتدى مواطن كويتي بالضرب المبرح على المواطن المصري "وحيد رفاعي" في محل عمله في منطقة الشويخ، مما أدى إلى إصابة المواطن المصري بإصابات بالغة. وفي عام 2017 قام رجل كويتي بالاعتداء على طفل مصري بالضرب والركل عقب فوز الطفل على نجل ذلك الرجل في مسابقة رياضية، وسجلت كاميرات صالة الألعاب الرياضية هذا الاعتداء.

وبينما وصفت وزيرة الهجرة المصرية حوادث الاعتداء على المصريين هذه بالفردية، وأكدت على حماية الدولة لكرامة المصريين بالخارج، إلا أن هناك عدد من الأمور اللافتة للنظر هنا ومنها:

أولا: عدم الرد على النائبة الكويتية بحقائق وإنجازات واقعية تدحض ادعاءاتها وتلميحاتها فيما يخص حماية الدولة المصرية لكرامة مواطنيها. مع سرد وقائع الاعتداءات السابقة. والاستعاضة عن ذلك بالهجوم على شخص النائبة، وفى ذلك ذهول عن المقاصد.

ثانيا: كان من الأجدر الإعراب عن قلق مصر من تكرار حوادث الاعتداء على مواطنيها بدولة الكويت، وإدانتها لتلك الاعتداءات، والمطالبة بالاشتراك في التحقيقات.

ثالثا: أن الوزيرة المصرية لم تطالب حكومتها بإصدار بيان شجب وإدانة، خاصة في ظل حالة "الخرس" النيابي غير المبرر، والتي أصابت مجلس الشعب المصري فمنعته من إصدار أي بيان بشأن تلك الاعتداءات المتكررة. الأمر الذي يعكس تناقضا بين تصريحات الوزيرة وسلوكياتها، بل ويشكك في مصداقية الادعاء بحرص الحكومة المصرية على كرامة مواطنيها.

رابعا: أن تكرار الاعتداءات على المصريين بالخارج ينفى عنها صفة الحالات الفردية التي ادعتها الوزيرة، بل يعكس تصورا راسخا في الضمير الجمعي للمعتدين.

خامسا: أن الوزيرة قد طالبت النشطاء بالتزام الصمت متذرعة باحترام السلطات الكويتية والثقة فيها، على الرغم من عدم التعارض بين ذلك الاحترام وتلك الثقة من ناحية، وحرية التعبير عن الرأي وإظهار الدعم والمساندة بين أبناء الوطن الواحد من ناحية أخرى.

سادسا: أن أسلوب الذي يتبعه الجانب المصري الرسمي في إدارة الموقف، سوف يؤدى إلى آثار سلبية على المجتمع قد تنعكس في تكريس ظاهرتي الفردية و"الأنا مالية" لدى من اهتموا بمساندة مواطنتهم بمحاولة خلق رأى عام لصالحها. ومن ناحية أخرى قد يرسخ حالة فقدان الثقة في الحكومة وبالتالي خسارة جزء كبير من رأس المال الاجتماعي.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، فقد كان من الطبيعي أن يبدو حديث الوزيرة غير واقعي ولا مقنع للكثيرين ممن يتساءلون عن حماية تلك الكرامة في الداخل المصري وفى الخارج. حيث يعتقد الكثيرون أن حوادث الاعتداء على المصريين بالخارج لاسيما في الدول العربية ليس إلا انعكاسا لامتهان كرامة المصريين في بلدهم وتعرضهم لانتهاكات يعلم بها القاصي والداني، وتوثقها منظمات حقوقية محلية وعالمية. الأمر الذي تتأكد معه دول أخرى ومواطنيها أنه لا كرامة للمصريين في بلدهم وبالتالي فلا كرامة لهم خارجها.

ولأن السجال قد انتقل من الدفاع عن حقوق وكرامة المصريين بالخارج، إلى الهجوم على شخص النائبة الكويتية، فإن أسئلة عدة تطرح نفسها ومنها "هل نكأت النائبة الكويتية جرحا غائرا في وجدان المصريين بسخريتها من حديث وزيرة الهجرة المصرية عن حماية الدولة لكرامتهم؟ وهل كانت هذه النائبة على حق فيما ألمحت إليه؟ وهل حقا كرامة المصريين مهدرة في بلدهم؟ ومن يهدر تلك الكرامة؟".

فلنكن صرحاء مع أنفسنا ونقر بحقيقة أن كرامة المصريين وحقوقهم مهدرة فعلا في بلدهم. وطالما أن الحديث يتعلق بالاعتداء على امرأة مصرية، فلماذا لا نقولها بوضوح أن من أهدر كرامة النساء في مصر هو من جرد "ست البنات" من ملابسها وسحلها علانية عام 2011، وهو نفسه من أخضع المصريات لكشوف العذرية عام 2013، وهو من أجبر "دهب حمدي" أن تضع مولودها وهي مقيدة اليدين إلى سرير مستشفى السجن، وهو ذاته من اعتقل فتيات "7 الصبح" عام 2013.

 

وأن من امتهن كرامة المصريات وأذلهن هو من تحرش بهن وهددهن وذويهن بالاغتصاب، بل وقام باغتصاب بعضهن في مدرعات وأقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز الأخرى. وأنه هو من اغتصب "ندا أشرف وزبيدة إبراهيم"، وهو الذي مارس عليهن التعذيب البدني والنفسي. وأنه هو الذي قتل فيمن قتل "حبيبة عبد العزيز وهالة أبو شعيشع وأسماء البلتاجى" وغيرهن.

 

إن من أهدر كرامة المصريين بالداخل ويتقاعس أو يعجز عن حمايتهم بالخارج، وأن من امتهن كرامة المصريين عامة هو من أحال حياتهم في بلدهم إلى جحيم لا يطاق، وهو الذي أهدر ونهب ثروات البلاد والعباد واستحوذ على أجولة الأرز الخليجي، وادعى أن مصر فقيرة جدا، ثم راح يبشر المصريين بالجوع والعطش والموت إن أرادوا بناء دولة بعد أن هدمها وجعل أهلها شيعا. إنه حكم العسكر الذي أفقر مصر واضطر المصريين إلى البحث عن لقمة عيش فى بلاد كانت مصر تعولها قبل زمن النفط الزائل لا محالة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة