لأنك مدرس يا سيّدي.. هذه الرسائل لك

blogs تعليم

تتحدث الأسطورة اليونانية عن إله يدعى "جانوس" يحمل وجهين متقابلين، وجه خلفي عبوس لا يرى الأمور بعين الرضى، ووجه أمامي مشرق كله أمل وحياة. سنحاول في هذه المناسبة في حديثنا عن مدرسنا حامل لواء المعرفة والإنسانية والفضيلة، أن نسدل الستار على الوجه الخلفي لـ "جانوس" والذي تغلب عليه نبرة التشاؤم ونظرته للأوضاع بجفاء ويأس قاتلين؛ بالرغم أن نظرات هذا الوجه لها ما يبررها في ظل هذه الظروف العامة المزرية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو على الأقل أكثر دُولها، في مختلف مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة، والظروف الغير المُرضية الخاصة التي يعرفها قطاع التعليم والتربية!

فلندع هذا الوجه المتشائم جانبا، لنرى مهمة التدريس والتعليم بعيون وجه "جانوس" الأمامي المشرق. فلأنك مدرس سيدي، فلا يساورني شك أنك من كتبت هذه الأسطورة وغيرها من الأساطير ونقلتها من جيل لآخر، عبرت فيها عن انشغالاتك بالواقع في قوالب خيالية يمتزج فيها عنصر التسلية بالحكمة. أنت أيها المدرس من حولت التاريخ إلى روايات وقصص وسير لتنهل منك الإنسانية الحكمة والمعرفة، وأنت من حولت الرواية والقصة التي كتبتها أناملك إلى حياة وتاريخ تعيشه أجيال بعد أجيال!

ولأنك مدرس، فأنت قاض رحيم قبل أن تكون قاضيا عادلا داخل محكمة فصلك، محكمتك تفوق كل محاكم العالم عدلا وإنصافا! ألم يشتكي لك تلميذك يوما سُرق منه قلما، فقمت بعملية تفتيش روتينية في كل حقائبهم، وأغمضت عينيك عن السارق بعدما ألفيت القلم عند أحدهم من دون احراجه أمام زملائه، لتؤنبه وتعاتبه على انفراد على فعلته وتأمره بإرجاع ما سلبه دون أن يراه أحد، وفي انتظار ذلك تجبر خاطر المسروق بإعطائه قلما من أقلامك، ليصير مالكا لقلمين عوض واحد، فيتمنى السارق لو كان مسروقا، والمسروق لو سرقه ثانية! ألا ترى أن محكمتك الموقرة أيها المدرس لا مكان لها في عالمنا المظلم، حيث السارق شهيته دائما مفتوحة أمام ممتلكات الناس بدون رقيب ولا حسيب! أما المسروق الضعيف فلا ينتظر استرداد حقوقه واسترجاع أمواله مطلقا، وإنما يترقب متوجسا من غارة ثانية سيسلب فيها ما تبقى لديه من ممتلكات!

لأنك مدرس، فأنت تعيش أكثر من حياة، لقربك لحياة أعداد لا تعد ولا تحصى من تلامذتك، فكم عالَما عشت داخله؟ وكم سيرة قرأتها وطرقت أبوابها وعرفت أخبارها؟

ولأنك مدرس يا سيدي، حكومتك التي ترأسها ليست ككل الحكومات، لأنها مزجَت ببراعة بين حرية اللبراليين وعدالة الاشتراكيين، ألم تشارك متعلميك في حفل دراسي، فمنحت لهم حرية جلب ما يحلو لهم من مأكولات ومشروبات كلٌّ حسب وضعه، فقمت بجمعها كلّها ثم قسمتها بالتساوي على كل واحد نفس الكمية والعدد. هل ترى حكومة من حكوماتنا فعلتْ ما فعلتَ! ألم تبدع هي في فرض ضرائبها على من تشاء ثم توزع خيراتها على من تشاء، فشتان بين الحكومتين!

لأنك مدرس سيدي، تذكر كم من مراهق تأخذه العزة لجذب أنظار زملائه وإثارتهم، فيثير شغبا وفوضى داخل فصلك، ولسان حاله يقول أنا هنا معكم موجود، فلا تحرموني من اهتمامكم، لتحدّثه على انفراد وتنبهه إلى أن ما يعيشه في مرحلته هذه، من محاولة إثبات للذات مرحلة عابرة قد عاشها مدرّسه من قبل وأصبح الآن يخجل منها عند ما يتذكر تفاصيلها، فتنصحه أن يبادر بكل ما أوتي من وعي في السيطرة على مزاجه والتحكم في الزمن والتاريخ بدل أن يكون ضحية من ضحاياه! يكفي أن أمتنا تعيش على هامش التاريخ دون بوصلة ولا أي هدف يذكر تتحكم فيها الأمم!

لأنك مدرس سيدي، فإنك من تتصنّع شخصيتين إن اقتضى الحال من أجل ضبط صفّك، تتظاهر بالقسوة وباطنك قلب ينبض رحمة وحنانا، تقطب الجبين لترسم ملامح غضبك وانزعاجك، لكنك تخفي بين قسمات محياك ابتسامة رقيقة وجميلة؛ لست أنت كمن يتصنّع وجهين ظاهره الطيبة والتسامح وباطنه الغلظة والرعونة، وما أكثر هؤلاء في زمن كزماننا! نعم أنت لست كاملا سيدي، قد تخونك أحيانا الكلمات والعبارات فتسرع إلى طلب الاعتذار، أليست ثقافة الاعتذار شريدة في زماننا إلا في ضميرك وفي قرية اليابانيين!

لأنك مدرس سيدي، فأنت من تهدي المتفوق قلما أزرقا يحمل لون السماء أفقا ولون البحر عمقا، لينتاب البعض منهم هم شعورا بالاستخفاف من قيمة هديتك، لكنك ما وجدت أعظم منه لتحتفي بالمجتهد
لأنك مدرس سيدي، فأنت من تهدي المتفوق قلما أزرقا يحمل لون السماء أفقا ولون البحر عمقا، لينتاب البعض منهم هم شعورا بالاستخفاف من قيمة هديتك، لكنك ما وجدت أعظم منه لتحتفي بالمجتهد
 

لأنك مدرس سيدي، ستجد اسمك دائما مكتوبا بأحرف من ذهب في كل رسالة جامعية أشرفت عليها، وكل عبارات التقدير والاحترام التي كُتبت في حقك تقف أمامها خجولا، رغم أنك وفّيت حق طالبك في مساعدته على بحثه العلمي كما ينبغي، فقط لأنك اعتقدت أن انشغالاتك الكثيرة والمتعددة منعتك أن تقدم له ما هو أفضل! لكن بعد حين تتفقد البعض منهم فتجدهم غادروا مع الطيور المهاجرة بحثا عن موطن أفضل!

لأنك مدرس، فأنت تعيش أكثر من حياة، إن كان "العقّاد" يهوى كثرة القراءة لأن عنده حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيه، والقراءة دون غيرها هي من تمده أكثر من واحدة، أما أنت، فليست قراءة الكتب وحدها من تمُنّ عليك بأكثر من حياة، بل قربك لحياة أعداد لا تعد ولا تحصى من تلامذتك، كم عالَما عشت داخله؟ وكم سيرة قرأتها وطرقت أبوابها وعرفت أخبارها؟ كما من وظيفة تقمصتها؟ كنت كالصديق والأب والطبيب والأستاذ والمربي.. كم ألوانا حملت ومهمة أديت؟ ألم تعش إذن أكثر من حياة؟

لأنك مدرس سيدي، فأنت من تهدي المتفوق قلما أزرقا يحمل لون السماء أفقا ولون البحر عمقا، لينتاب البعض منهم هم شعورا بالاستخفاف من قيمة هديتك، لكنك ما وجدت أعظم منه لتحتفي بالمجتهد في التحصيل وتكرمه، فبه تسطر الكلمات، وبه أقسم الله تعالى في القرآن، هو مرآة القلب وترجمان العقل كما قال فكتور هيجو، وعنه قال "فولتر": لا يضيرني أن ليس على رأسي تاج ما دام في يدي قلم. هو من يكتب تاريخك أيها المدرس فأحسن إليه، بوركت!