"بنشرجي" أم شرطي في خدمة الشعب؟!

blogs العقيد أحمد أبو الرب

خلف هذا العنوان تقطن القصة، وفي صور الواقعة تكمن الحكاية، وبين طيات الحدث يقع الكثير، الكثير، والكثير، وفي معالم الصورة الواضحة تستقر الأسئلة، الأسئلة السيئة النوايا، قبل طرح أيّ بوادر لأي فكرة حسنة النية، ومن لا يعرف عمّا أتحدث سيعلم الآن. البنشرجي هذا ما شغل ولا يزال يشغل الشارع الفلسطيني هذه الآونة، "البنشرجي" نعم أنت تقرأ الكلمة الصحيحة، ذلك لأن "البنشرجي" خاصتنا ليس بالشخص العادي، ولا يؤدي هذا العمل للشخص العادي، عناصر الحدث هنا مدير الشرطة الفلسطينية في مدينة خليل الرحمن، المدعو "أحمد أبو الرب" الشخص الذي اقتحم وسائل التواصل الاجتماعي، والشارع الفلسطيني، حتى أنّه بفعلته تسلل إلى الصحافة العالمية، وأخذ مجداً من الشهرة، والطرف الآخر عناصر جيش الاحتلال الصهيوني، ومن لا يعرف الاحتلال الصهيوني بأفعاله لا يعرف عن الدنيا شيئاً.

الصور التي نُشرت وانتقلت، توضّح قيام المذكور أعلاه بتغيير عجل سيارة جيب احتلال، بعد عودة الفاعل من حملة تعزيز صمود أهلنا في مسافر يطا، وهي أحد أعلام صمود الشعب الفلسطيني وثباته في أرضه، متحدياً هذا الاحتلال الفاشي العنصري، وأثناء عودة الموكب، وعلى حسب رواية الفاعل، أن جيب الجيش المُتعطل أغلق الطريق أمام الموكب، مما تسبب وسيتسبب في أزمة مرورية خانقة، ويعطل حركة السير، -يبدو أنّ الفاعل يأتي من جنين إلى الخليل بالطائرة، ولا يدري عن ممارسات الاحتلال من أجل التنكيل بالشعب والتضيق عليه أيّ شيء-.

هذا ما حدث ظاهراً، أو قد يكون الإطار الذي أُريدَ له الظهور، وهذا ما أدلى به الفاعل، وهذه هي الواقعة المرفوضة جملةً تفصيلاً، تحت وطئة أيّ ظرف، وحتى في ظل وجود أيّ ضغطٍ كان، هذا الفعل المُشين المؤلم المُهين. كيف لنفسه أنّ تسمح له بفعل ما قام به، كيف لعينيه أن تعرف النوم بعدما فعل، كيف له أن ينظر في عيون أمهات وآباء الأسرى والشهداء، كيف مشت قدماه نحو تقديم الخدمة لجنود احتلالٍ بملابسهم العسكرية، يحملون كلَ أنواع الأسلحة المُستخدمة في القتل والقمع.

تالله لأني أكتب ما أكتب والحسرة والألم تعصرانني، مُجرد التفكير فيما ذكرت يؤلمني، يُشعرني بالخجل، بالفعل الخجل يعتريني، أنّ الفاعل فلسطيني، وعسكري برتبة فلسطينية، أسفاه، في أيّ مدرسة عسكرية تعلم هذا؟، أو أنّ السؤال ما الدرس وما معهد التطبيع الذي غرس فيه روح البذل والعمل للعدو؟ والسؤال الصعب كيف بلغ هذه الدرجة من عدم الاحساس بالخجل؟، وقد يكون السؤال الأكبر هل ما أظهرته لصورة يختفي حوله ما هو أعظم؟، بالفعل! في مثل هكذا حدثٍ ليس عادي لا يستحضرنا سوى الأفكار السيئة، والنوايا الخبيثة. قبل نزوله من السيارة التي يستقلها، – وهي سيارة الشرطة الفلسطينية-، أَلم يشدّ انتباهه الرتب التي على كفتيه؟!، لم يشعر بالمسؤولية تجاه شعبه، لم يشعر بالرتب التي تعتليه ولا يلبسها، ذلك لأنه أثبت أنّه لا يستحقها، أو أنها أتت إليه عن طريق الصدفة، أو عن بواسطة الطرق الخطأ الملتوية.

التوقف عن تدفق الأسئلة والصراع الداخلي هو ما لا أقدر عليه، والفكرة التي تزعجني الآن، وتدق أبواب تفكيري، ولا تكف عن التحرش في ذهني، ورغم أنّ التصرف فردي ولا يُعبر سوى عن صاحبه، ولا يُمثل أيَّ شخصٍ سوى ذاته، هل الشعب الفلسطيني وإن كان عدد قليل، أو أفراد لا يُمثلون سوى أنفسهم وجهلهم، قادرون أو قد تسوّل لهم ذاتهم القيام بأفعال قريبة، أو حتى مُشابهة، لما فُعل، هذا السؤال وهذه الفكرة التي يجب على القيادة الفلسطينية، حَمَلَة المسؤولية، أصحاب صانعي القرارا، وأفراد العملية التربوية التعليمية، أن يضعوه صوب أعينهم.

أن يسأل الجميع ذاته هل يُربي الأطفال على مشاهد تُروِّجُ للاحتلال؟!، أو هل هناك من وَصل للتساهل مع المحتل لدرجة تقديم المساعدة له. ما حدث، قد يظهر للوهلة الأولى أنّه مجرد خطأ، أو حدث ويمر، لكن ما حدث ليس بالعادي، ونحن الشرفاء الفلسطينيين الغيورين، يؤلمنا ويجرحنا ما وقع، ويجعلنا لا نوقف التساؤلات، ويدفع بنا نحو دراسة الأسباب، ويجعلنا نٌطالب بعدم التفاعل مع الأمر على أنّه زلة، وهكذا زلة لا تُغتفر، ولا تُنسى، حتى انّي أرى كلمة زلة تهرب من الفعلة، وتطلب البراءة، كما نحن نُأكدُ عليها.

واليوم باتت كلمة "البنشرجي" تروي الحكاية، ومصدر للنكات، وتطورت لتصبح وسيلة التهكم والاستهزاء والأصعب الإهانة لأفراد الشرطة الفلسطينية، وكذلك رمز للتطبيع، والتنسيق الأمني أيضاً، وفتحت الأبواب من جهة الريح على أبواب أوسلو، ونتائج التنسيق الأمني، ومدى الالتزام الجانب الفلسطيني بما نصت عليه الاتفاقيات الدولية، في ظل تنكر الاحتلال، وهذا السبب الأول الذي أعزى إليه الشعب هذا الفعل المُهين، وهذا العيب، العيب، العيب الكبير.