التعلم من أرض الواقع.. أوغندا البلد الفقير الغني بتجاربه!

blogs أوغاندا

لم يدر في خلدي أن أخطط لزيارة دولة أفريقية غير ناطقة بالعربية إلى أن تم اختياري لإتمام دارستي الصيفية في أوغندا من قبل جامعتي. كنت في البداية متردداً، ولم أكن واثقاً من قدرتي على إتمام شهرين في هذه الدولة. إلا أن هذه الرحلة كانت من أكثر التجارب التي أثرت في شخصيتي وغيرت كثيراً من نظرتي عن العالم من حولي.  كان ترددي بصورة من الصور متأثراً بانعزال العالم العربي عن ثقافات الدول الفقيرة المحيطة به التي قلما ما نرى انفتاحه عليها، فيما نرى تأثره في الغالب منحصراً بالاطلاع على الثقافات الغربية التي يعتبرها نموذجا للتطور والتحضر، متناسياً ثقافات بلدان أخرى مليئة بالثراء والغنى.

أختصر الفوائد التي جنيتها من رحلتي إلى أوغندا، وبالتحديد مدينة جنجا بما يلي:

 

احترام الأديان والثقافات

مقارنة بدول أخرى أعجبني في بلد ذي أغلبية مسيحية أنه يسمح للمسلمين بالإشراف على جميع الذبائح بطريقة إسلامية شرعية، ويضمن لهم الحقوق التي تسمح لهم بممارسة شعائرهم كالالتزام بالزي الشرعي، وبناء المساجد، والدعوة الدينية. أكاد أجزم بأن كل مناطق أوغندا فيها مساجد متاحة للمسلمين.

 

أما عن المجتمع الأوغندي فيوجد تقبل واضح فيما بينهم مهما اختلفت معتقداتهم وأديانهم. زرت إحدى الأسر الأوغندية فوجدت أن الأم مسيحية لكنها تسمح لأولادها بارتياد المدارس الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التزامهم بالإسلام. وكان مما لفت انتباهي أن بعض أفرادها يذهبون إلى الكنيسة الكاثوليكية يوم الأحد فيما كان البعض الآخر يرتاد المسجد يوم الجمعة. ولم تكن هذه الأسرة الوحيدة التي وجدت فيها تعايشاً بين أكثر من دين يعتنقه أبناؤها دون أية إشكالات تُذكر.

   undefined

  

وبالرغم من أن العائلة التي أقمت معها طيلة فترة زيارتي لأوغندا كانت مسيحية، إلا أن ربة المنزل عرَّفتني على جيرانها المسلمين وشجعتني على الذهاب إلى المسجد، وأعطتني سجادة للصلاة. ليس هذا فحسب؛ بل كانت ربة المنزل منفتحة على ثقافة المسلمين وكثيراً ما كان يدور النقاش بيننا حول التشابه بين الدينين المسيحي والإسلامي في أصل المعتقدات وبعض التعاليم. وقد أخبرتني غير مرة أنها تدعو لي في صلواتها، وطالما شجعتني على الالتزام بتعاليم الإسلام التي تتوافق مع تعاليم دينها المسيحي كالابتعاد عن أكل لحم الخنزير وكانت مسرورة لأنني لا أشرب الخمر.

 

الابتعاد واكتشاف الذات

أمضيت أوقاتاً صعبة في هذه الرحلة بسبب الضغوطات الدراسية ومحاولتي التكيف مع ثقافة جديدة. كان الابتعاد عن الأهل والأصدقاء لمدة شهرين جديرة باكتشاف ذاتي، وشجعني على التعايش مع أناس لم أتوافق معهم في البداية وجعلني أنظر إلى الحياة من زوايا أخرى. كما غير طابع حياتي، فأصبحت متقبلاً لكثير من الأمور لطالما حاولت أن أتجنبها سابقاً. كنت أغسل ثيابي بنفسي، واستحم بالماء البارد، وآكل الخبز الناشف مع الحليب في الصباح. لم تكن وسائل التنقل مريحة وكثيراً ما كنت أضطر أن أمشي مبكراً إلى المؤسسة التي كنت أعمل معها. لم تكن المياه أو الكهرباء أمراً متوفراً في كل الأوقات، وخدمة الانترنت كانت ضعيفة في كثير من الأحيان. 

   

وأتاحت لي هذه الفترة التعرف على أناس يعملون ليل نهار لكسب الرزق، وعلى طلبة لم يكملوا دراستهم ليعيلوا أهاليهم. كانت هذه الرحلة كمرآة عكست لي حال ناس الذين لم يحالفهم الحظ في هذه الحياة. ولم أجد نفسي قط شاكراً الله على النعم التي أعطاني إياها قبل ذهابي إلى أوغندا كما كنت بعدها. وسبحان من قسَّم الأرزاق بين العباد على درجات ليبلوهم فيما آتاهم.

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)

  

التعلم من أرض الواقع

من المعتاد أن نرى الطلبة متحمسين للذهاب إلى الدول المتطورة لقضاء رحلاتهم التعليمية. إلا أني أؤمن أن هناك فوائد أكبر وأفضل تعود على الطلبة حينما يذهبون إلى دول العالم الثالث لتطبيق مشاريعهم؛ فالمقومات الضعيفة في هذه الدول تجبر الطلبة على الاعتماد على النفس لإيجاد حلول إبداعية كانت ستُقدم لهم على طبق من ذهب إن ذهبوا إلى الدول المتقدمة.

 

كثيراً ما ندرس في جامعاتنا عن الكوارث والأمراض التي تحصل في الدول الفقيرة، ولا نراها متجسدة أمامنا إلا عبر شاشات التلفاز فقط. ولا نقترب منها إلا عن طريق الدراسة النظرية، وينحصر فكرنا في فهم ضيق لا يتسع لمجالات أخرى. بينما رأيت بأم عيني عددا من المشاهد المرتبطة بهذه المشاكل المزمنة وآثارها على الأفراد والأسر بشكل ملحوظ.

   undefined

  

فالعلاج الطبي على سبيل المثال غير متاح لجميع الأفراد في أوغندا، خاصة اليتامى والفقراء منهم، وحتى الآن لا توجد مؤسسات كافية تحتوي هذه الفئة من الناس الغير قادرة على تحمل تكاليف العلاج. كانت من الأمثلة الرائدة التي أتاحت الفرصة للمواطنين الأوغنديين الحصول على العلاج الطبي بالمجان مؤسسة "سنت فرانسيس" الواقعة في مدينة "جنجا".

 

هذه المؤسسة توفر التعليم للطلبة المصابين بالإيدز، وتساعد أهاليهم على معالجتهم بالمجان. توجد أيضاً رعاية طبية للأمهات الحوامل. لو تم التركيز على هذه النوع من المشاريع ستكون النتائج الإيجابية عائدة على كل من المحتاجين في هذه الدول والطلبة المتطوعين من جميع الفئات العمرية.  كانت لهذه التجربة إضافة كبيرة لحياتي كطالب جامعي متخصص في مجال الصحافة. فتطوعي في مؤسسة "سنت فرانسيس" علمني إدارة المشاريع والتسويق في مجال العمل الإنساني، وأعطاني الفرصة في الدخول إلى عالم المؤسسات التطوعية والخدمية.

 

التفوق في مجال الحياة

قد يكون التعلم متاحاً في دولنا بشكل يكفل تفوقنا في مهننا، لكنه قد لا يضمن لنا تفوقنا في حياتنا. فعلاقاتنا مع الأهل والأصحاب تبدو دائماً معقدة في حياتنا المتسارعة، التي نادراً ما نتذوق فيها السعادة. نحاول إشباع أنفسنا بإنجازات عملية، متناسين تماما الاستمتاع بأوقاتنا مع من نحب. الذهاب إلى هذه الدول والانخراط في عاداتهم وتقاليدهم البسيطة التي لا زالت محافظة على روابط الأسرة والصداقة عكس لي حقيقة الحياة. وجدت السعادة في أبسط الأشياء، وأصبح وقتي مليئاً بالجلوس مع الغير ومع الذات.

 

توسعت نظرتي للحياة، وتخليت عن عقدة المظاهر والحالة الاجتماعية، وأصبحت أيامي محكومة بعلاقاتي مع الآخرين وانجازاتي المهنية. وجدت قيمتي في مساعدتي للناس، والإنصات إليهم. في أوغندا كانت الأيام صعبة إلا أن لحظة إكمال المشروع الذي ذهبت من أجله والعودة للديار حاملاً معي تجارب قيمة كانت جديرة في أن تنسيني كل المتاعب التي مررت بها هناك.