الكرد وحق تقرير المصير!

القضية الكُردية من أبرز القضايا التي حازت اهتماماً إقليمياً ودولياً في سياق تنافس القوى منذ بداية القرن العشرين إلى الآن، العلاقات الكُردية مع الحكومات العراقية المتعاقبة كانت ولا زالت تتسم بالتوتر منذ نشأة العراق الحديث سنة 1921 ومرت هذه القضية بعدة ثورات كُردية لكنها لم تحصُل على حقوق الشعب الكُردي بسبب المتغيرات الاستراتيجية العديدة التي جرت في المنطقة، فالقضية الكُردية شكلت سياقاً منذ نشأتها وحتى الآن، علاقة تفاعل واستخدام متبادلة بين الكُرد والقوى الإقليمية والدولية.

فهذه القوى استخدمت القضية الكُردية كورقة ضغط انطلاقاً من مصالحها وكانت هناك رغبة كردية لاستخدام ورقتهم أيضا أملاً في الاستفادة من ظروف التنافس التي حصلت بين قوى إقليمية ودولية في المنطقة وللحصول على دعم دائم للوصل إلى تحقيق مطالب الشعب الكُردي ومنها إلى تحقيق الحلم الكُردي وقيام دولة كُردية تتمتع بالاستقلالية، فدعم الولايات المتحدة الأمريكية للقضية الكُردية في سنوات 1972-1974 هو أبرز حدث حول تأثير القضية الكُردية بالتأثيرات الإقليمية والدولية، لكن هذا الدعم تحول إلى صورة معاكسة سنة 1975 عندما أخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن القضية الكُردية وأيضاً إيران إثر توقيع اتفاقية الجزائر سنة 1975 وبذلك تبيّن أن القوى الإقليمية والدولية استخدمت الكُرد كورقة ضغط ليس إلا. 

 

القضية الكُردية لها أهمية كبيرة أيضاً فهي تحملُ معها العديد من انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، ولعل القضية الكردية تكون لها انعكاسات أمنية خطيرة على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط والأمن الدولي أيضاً في حال عدم إيجاد الحلول المناسبة لها، فهي قضية واضحة وتمتلك كل عناصر القضية العادلة ومضى عليها العديد من السنوات وهي بانتظار حل عادل طبقاً للقانون الدولي، فيها مقومات أيضا من سند قانوني وسند سياسي وسند حضاري أيضاً. 

 

على القيادات الكُردية أن يحسموا الخلافات الداخلية وعدم الوقوع في الأخطاء التي حدثت سابقاً، فالخلافات الداخلية تسوق الوقت والجهد والمال وتقتل الأرواح وتصرف أنظار الساحة الدولية عن القضية الكُردية

الوثائق الدولية تثبت حق تقرير مصير الكُرد وذلك من خلال بيان الاستقلال الأمريكي سنة 1776 ووثيقة حقوق الإنسان الفرنسية لسنة 1789، والحركة الاشتراكية الدولية التي أنشأت سنة 1869 أعلنت حق الشعوب في تقرير مصيرها وتبنت هذا الحق الاشتراكية النمساوية والألمانية والروسية وكان لها تأثير في جميع الحركات الاشتراكية في قارة أوروبا، بعد الحرب العالمية الأولى ظهرت أيضا اتفاقيات ووثائق دولية حول حق تقرير المصير مثل مؤتمر السلام في باريس سنة 1919 ومبادئ الرئيس الأمريكي السابق ولسن التي قدمها لقادة العالم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وتتكون من 14 مبدأ من ضمنها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي سنة 1941 تم إدراج حق تقرير المصير للشعوب في ميثاق حلف الشمال الأطلسي الذي أُعِدّ بعد عقد اجتماع بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس وزراء بريطانيا واتفقوا على عدم إحداث تغييرات إقليمية ضد رغبات الشعوب. 

 

هناك عدة قرارات أصدرتها الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال جمعيتها العامة جراء تعاظم ضغوطات الحركات السياسية المسلحة من قبل الأقليات العرقية والدينية التي تعاني من الاضطهاد بحقوقها في تقرير مصيرها، والقرارات كما يلي: 

– القرار رقم 421 لسنة 1950 وضحت فيه الأمم المتحدة الطرق والوسائل التي تؤّمن حق تقرير مصير الشعوب.
– القرار رقم 545 لسنة 1952 الذي يدعو في مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها.
– القرار رقم 1514 لسنة 1960 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. 
– القرار رقم 2625 لسنة 1970 الذي تضمن التصريح الخاص بالعلاقات الودية بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة لاسيما الجوانب المتعلقة بحق تقرير المصير.
– القرار رقم 2787 لسنة 1972 الذي أكد على حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
– القرار رقم 3970 لسنة 1973 طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جميع الدول الأعضاء الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وكافة أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من أجل هذا الهدف. 

 

أما عن الاتفاقيات الدولية حول حق الشعوب في تقرير مصيرها فهناك عدة اتفاقيات دولية تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها وكما يلي: 

– اتفاقية فيينا سنة 1815 نصت المادة 8 فيها على كفالة الحرية وضمان الحقوق للأفراد دون تمييز.
– معاهدة فرساي سنة 1919 أدرج فيها طلبات الدول المنتصرة في الحرب حول إعطاء الشعوب حقها في تقرير المصير.
– اتفاقية سيفر سنة 1920 التي أبرمت بين الحلفاء كانت أول اعتراف دولي بحقوق الشعب الكُردي في منطقة الشرق الأوسط.
– اتفاقية فيينا سنة 1969 اعتبرت حق تقرير المصير قاعدة قانونية تُعدُ من قبل قواعد القانون الدولي العام وتأخذ القبول من المجتمع الدولي ككل.
– اتفاقية هلسنكي سنة 1975 اتفقت فيها ثلاثة وثلاثون دولة أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية على عشرة مبادئ وكانت المادة الثامنة منها تختص بحق تقرير المصير. 

 

دراسة الحضارات الأولى تشير إلى أن الأصول الأولى للكُرد حكمت كردستان الحالية مثل شعب لولو lullu وشعب جودي cuta وشعب الكوشيون kassita وجاءت مسميات دولة الكُرد قبل الميلاد عند الأشوريين والأراميين باسم كورتي، أما الفرس فقد أطلقوا على الكُرد اسم كارتيوي قبل الميلاد، الرمانيون أطلقوا على الكرد اسم كاردوسوي، اليونانيون القدماء أطلقوا اسم كاردوخ على الكرد حسب ما جاء في كتاب (الزحف) للمؤرخ اليوناني المعروف اكزينوف وذلك 400 سنة قبل الميلاد، منذ ذلك الوقت تطورت الخصائص البشرية والوراثية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية والثقافية لتكوّن شخصية قومية مميزة للكُرد، ومن أهم مميزات الكُرد منذ ذلك الوقت ولغاية اليوم هي بقائهم في أرضهم التي تعرف اليوم بكُردستان. 

 

على القيادات الكُردية أن تتوحد وأن تخرج إلى حيز الأضواء وأن تغزو المؤتمرات والمحافل الدولية ويكون لها دور فعال في الأنشطة السياسية الدولية وأن تطرح قضيتها بشكل عصري على المنظمات الدولية في إطار شرعية الأمم المتحدة وأن تحفظ للقضية الكردية استمرارها وأن يدركوا أنه في ظل الشرعية الدولية الحالية أصبحت الحلول السياسية هي اللغة الوحيدة المقبولة وأن أساليب الحرب لا تجد آذاناً صاغية، على القيادات الكُردية أيضاً أن يحسموا الخلافات الداخلية وعدم الوقوع في الأخطاء التي حدثت سابقاً، فالخلافات الداخلية تسوق الوقت والجهد والمال وتقتل الأرواح وتصرف أنظار الساحة الدولية عن القضية الكُردية كما أنها تقلل من شأن الزعامات أيضاً، فالسياسة تتطلب أشخاصاً عصريين يتكلمون لغة السياسة وليس فقط لغة الرصاص. 



حول هذه القصة

كشفت كبريات وسائل الإعلام الأميركية -نقلا عن مصادر مطلعة- أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو من أمر بقتل الصحفي جمال خاشقجي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة