الأمّهات العازبات.. متى كانت "العزوبية" مصدر الأمومة؟!

BLOGS الأمومة

أحياناً القصف بالمصطلحاتِ يكون أخطر وأشدّ من القصّفِ بالصّواريخ، فإذا كانت الصّواريخ تزهق الأرواح، فإن المفاهيم المحرّفة تخرب المجتمع وتفكّكه. ففي مجتمعي يطلق على النّساء اللاتي أنجبن أطفالاً، في وضعية أو أخرى خارج مؤسّسة الزواج، بالأمّـهات العازبات! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة؛ أين هم الآباء العُزّب؟ وما موقعهم من هذه التسمية؟ هل المرأة هي المسؤولة لوحدها عن هذا الفعل؟ أسئلة وأخرى سنحاول الإجابة عنها وتوضيحها في هذا المقال المتواضع.

إن القاعدة المتعارف عليها تقول (لا مفعول بدون فاعل) إذ لا بد من شريكٍ ثانٍ في هذا الجُرم! وبمبدأ تماثل المصطلح، يجب أن نقول: (أب عازب) إلا أن منطق مجتمعي لا يرحم فالآثم هنا هي المرأة لا الرجل! فهذا هو عين التناقض الذي صار يتخبط فيه هذا المجتمع الذي يدعي القوة والغلبة. وأضحت تعاني هذه الفئة من النساء في المجتمع المغربي بصفة خاصّة وفي المجتمع العربي بصفة عامّة معاناة مضاعفة على أكثر من صعيد، فالشعور النفسي المحتقن بالذنب لا يكاد يغادرهن منذ تحرّك الجنين في أحشائهن، والمشاكل الاجتماعية تتضخّم في أعينهن بعدما وجدن أنفسهن بين عشيّة وضحاها وحيدات بلا سند.

إن ظاهرة الأمهات العازبات بالعالم العربي في تزايد مهول أمام انحلال المجتمع وفساده، وبعده عن تحمل مسؤوليته الكبيرة في تفشّي هذه الظاهرة، مما يفرض سن وتفعيل وتطبيق قوانين من شأنها وقف معاناة الأمهات.

علاوةً على نظرة المجتمع الحقيرة، ونظرة الجيران القاتلة إليهن، وقلّة ذات اليد، مما يزيد من معاناتهن.. وفي هذه الحالة نجد هذه (الأم العازبة) تعيش جحيماً اجتماعياً ونفسياً لا يُطاق، وفي كثير من الأحيان تكون مظلومة ولا يد لها في حملها.  وبدلاً من تكاتف الأسرة والمجتمع على إنقاذها، يعمدان معاً إلى إغراقها في بحرٍ من المشاكل والعقد النفسيةِ. فتعيش بذلك أمراضاً لا حصرَ لها، حيث تبقى مكبّلة أمام أمواج العنف، والرفض من (فاعل) يرفض الاعتراف بحملها، وعائلة تبرئ من فعلتها ومجّتمع لا يرحم ضعفها.

ومن باب عدل ورحمة الله سبحانه وتعالى أن ذكر في القرآن الكريم؛ اسم "الزّانية" مقرون باسم "الزّاني" فلماذا لا نجد في هذا المجتمع؛ الفاجرة والفاجر، الخائنة والخائن، العاهرة والعاهر. وبمقابل الأمّهات العازبات، الآباء العُزّب؟ وأمام تجاهل هذه المعادلة نجد (الأم العازبة) تعيش منبوذة في هذا المجتمع، لأن الأنظار ستتجه صوّبَها فيكون مصير هذا الطفل الذي خرج إلى (اللا وجود) القمامة، هرباً من العار والفضيحة ومن قول: "مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا".

ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ ومن ذلك القصة المشهورة التي وقعت مع المرأة الغامديّة التي جاءته وقد حملت من علاقة خارج الزواج فقال لها: "إذا كان لنا عليك حق فلا حق لنا على ما في بطنك، اذهبي حتى تضعيه. وذهبت حتى وضعته وجاءت به إلى النبي وهو في خرقة فقال لها: اذهبي حتى ترضعيه. فذهبت وبعد سنتين جاءت به وهو يمشي وفي يده كسرة خبر، فقال للصحابة: من يتكفل بهذا؟". إن الإسلام لم يميز بين الأطفال الذين يولدون خارج إطار مؤسسة الزواج وغيرهم  – لأنه لا ذنب لهم –  ولهؤلاء الأطفال كامل الحقوق أولها الحق في الحياة والوجود، والحق في الأمومة، والأبوة، والنسب، والعيش الكريم، والحق في الرعاية من طرف المجتمع إلى أن يكبروا".

أيها المجتمع العادل: لا تمدحوا الزّاني، وتقدحوا الزّانية! "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" فالرجل بهذا الفعل يجب أن يتحمل مسؤوليته أمام اللّه، وأمام المجتمع، وأمام القانون. لأنه طرف مسؤولٌ عن أفعالهِ. وليس من العيب أن نعترف بمظاهر الخلل في مجتمعاتنا، وإنّما العيب هو أن نغطي عليها ونتركها تنخر عظام المجتمع وتسري فيه، وتستفحل يوماً بعد يوم، ونلقي اللوم على المرأة لوحدها وأن الرّجل من هذا الفعل براء.

بالمحصلة إن ظاهرة الأمهات العازبات بالعالم العربي في تزايد مهول أمام انحلال المجتمع وفساده، وبعده عن تحمل مسؤوليته الكبيرة في تفشّي هذه الظاهرة، مما يفرض سن وتفعيل وتطبيق قوانين من شأنها وقف معاناة الأمهات – سواء كن مذنبات أو بريئات – فلا يمكن لمنظمة حقوقية، أو جمعية زنقاوية حلّ جميع المشاكل ما لم تتعاضد الأيّدي ويتشارك الجميع المسؤولية. وليست (الصَّفّارات) هي الحل الأمثل للحد من هذه الظاهرة لأن ذلك في الأصل يزيد الطين بلّة. أمام غياب الضمير الإنساني وغياب الوعي، والوازع الأخلاقي والدّيني، ووصية رسولنا الكريم "واستَوصوا بالنّساءِ خيراً".