في عالم متغير.. هل تصبح المراهقة آفة المجتمع؟

في خضم الحديث عن التغيرات الحياتية التي أصابت الأفراد والمجتمعات، والبحث الجاري عن علاقة التكنولوجيا بنسب الطلاق أو علاقة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين في تضاؤل نسبة الزواج، تبرز معضلات حياتية تتعلق بمناهج التربية والتنشئة الاجتماعية. هي عموماً تتعلق بالأجيال الناشئة المعاصرة لهذه التغيرات، فمع امتثال البنى الأسرية للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية وتداخل أدوار الأم والأب في الأسرة الواحدة، إضافة إلى التكنولوجيا الرقمية وأثرها على المسارات المعرفية والتعليمية للأجيال الجديدة انتهاءً بالمناهج التعليمية وتبعاتها المعرفية والعلمية، تبرز معضلات أساسية تؤثر في مسار نمو الأجيال الناشئة وتقدمها إن كان على الصعيد النفسي أو المعرفي، فكيف يمكن أن نقيس أثرها؟

لا يمكن إلا أن نبدأ بعملية الـ "تثقيف" أو "التثاقف" التي تتعرض لها الأجيال الناشئة، إذ نحن اليوم وبحكم موقعنا في شرق العالم بصدد التلقّف وليس التلقين. إن العولمة ساهمت -بوعي أو بدون وعي- بشكل سريع في زيادة الثغرة بين الأجيال (المربية) والأجيال الجديدة (المتلقنة)، إذ لا يمكن اليوم إلا أن نتحدث عن (هوّة ثقافية) حقيقية بين الآباء والأبناء، وذلك نتيجة التأثر الثقافي الغير منقطع ابتداءً بالطعام مروراً بالموضة والفنون، انتهاءً بمواضيع المساكنة والعلاقة بين الجنسين.

 

إن الثقافة المستحدثة ما زالت تنتفخ بالمواد المتأتية من العالم الافتراضي الأخر، ومن هنا لا يمكن إلا أن نطرح إشكالية علائقية بين الجيل الناشئ والجيل المربي وكيفية تعامله مع كل المستحدثات الثقافية والسلوكية التي تطغى على هذه الأجيال، وخاصة أن الفرد في عمر المراهقة هو أكثر ميلاً للتأثر بمحيطه الذي يشبهه أي برفاقه أو "زمرته". بالتأكيد هي ليست بظاهرة مستجدة، فما يبدو جديداً هو هذه السرعة في التجديد والتحديث ومواكبة طرق العيش والسلوكيات الظاهرة نتيجة سرعة ضخ المواد الثقافية عبر كل وسائل التواصل وغيرها، فهل يمكن للفئات المسؤولة أو المربية أن تتحمل وتتوافق مع هذا النسق التجديدي؟

غياب التحديث المستمر عن المناهج العلمية وخاصة في الدول النامية (الدول العربية مثالاً) سيضع المراهقين -المندمجين مع الحداثة أو عالم اليوم- في صراع مع المناهج العلمية المتناولة

من جهة أخرى، يزداد الحديث عن تأثر البنية الأسرية بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث يطوف على سطح الجدل مفهوم دور المرأة الجديد في المجتمع، دخولها إلى سوق العمل والمناصفة بينها وبين الرجل. إن الوظيفة البنائية للمرأة داخل الأسرة (كما هو واضح حسب المؤشرات) بدأ يأخذ من وظيفة ودور الرجل ويتداخل بها، ابتداءً بالدور الاقتصادي نتيجة عملها وانتاجها انتهاءً بالأدوار الاجتماعية والعمومية الذي سحب من قدراتها الأساسية لصالح أسرتها، إن الحديث اليوم عن الخلافات الأسرية وارتفاع نسب الطلاق بين الأزواج (ما يقارب 25 بالمئة في لبنان حسب الاحصاء المركزي 2017).

 

إننا معنيين هنا بمدى تأثير المشاكل الأسرية المستجدة على الأجيال الناشئة أو المراهقين، فإن مشاكل سلوكية كالعنف قابلة للتطور في مرحلة المراهقة، وأخرى نفسية كالانطواء أو العزلة الاجتماعية أو حتى مشاكل معرفية كالتشتت الذهني، هي كلها مرتبطة بشكل مباشر بالبيئة العائلية والمشاكل العلائقية بين الأم والأب داخل الأسرة.

فيما يخص المناهج التعليمية والأدوار التربوية داخل المؤسسات الأكاديمية، فإننا في خضم مقاربة فعلية بين المنهج العلمي المعمول به والمتطلبات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي بلورها المجتمع وسوق العمل. إننا نطرح دور الصروح العلمية والمناهج التعليمية التقليدية المتاحة في تهيئة الأجيال الناشئة لدخول مرحلة تأسيس الذات. لذلك إن غياب التحديث المستمر عن المناهج العلمية وخاصة في الدول النامية (الدول العربية مثالاً) سيضع المراهقين -المندمجين مع الحداثة أو عالم اليوم- في صراع مع المناهج العلمية المتناولة مما يطرح إشكالية دور المناهج التربوية في تأسيس الأجيال أكاديمياً وتحضيرها لمرحلة التأسيس الجامعي. وإذ بدأت المؤشرات والدراسات تولي اهتماماُ بالمناهج التعليمية وطرق تحديثها في ظل تداخل العالم الرقمي وأنظمته إلى حياتنا، فانه من الأساس أن نطرح مدى تلاؤم المناهج الموضوعة اليوم مع كل الظروف الضرورية لاندماج المراهقين في عالم الغد.

ختاماً، وأمام كل هذه النقاط التي طرحناها، لجهة دور الأسرة والصروح التعليمية في علاقتها بالأزمات المستجدة على حياة الأجيال، فإن ما يدفعنا لدراسة هذه المستجدات هو لسهولة تأثر هذه الفئات بالعوامل الثقافية الطاغية، وخاصة أننا نعيش في مجتمعات تستورد الثقافة ولا تنتجها كما أسلفنا وهي بذلك عرضة لرياح التجاذبات الثقافية سريعة التأثير، فهل تغدو مرحلة المراهقة فجوة عميقة في مجتمعاتنا العربية؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة