الوهم الجميل.. كيف تتحكم الأسواق في اختياراتنا؟

blogs مجتمع

ما سر توجه المجتمعات بالشكل الأكبر إلى الأقل قيمة وعمقاً عوضاً عن الآداب العالية والمعرفة الحقيقية؟ هل للطبيعة الرأسمالية في تفكير مجتمعات ما بعد الحداثة أدت إلى تحول الحياة اليومية إلى القياس بالوسائل الكمية لا المعنوية؟ حيث تجد للكاتب في أول ثلاث سنوات له من الكتابة قام بتأليف عشرات الكتب والقصص القصيرة ربما..!

في فترة من التاريخ البشري والحضارة البشرية بعدما أصبح المسرح متاح أمام العامة وقادر أي شخص على حضوره، كان العمل الأدبي رغم قلته إلا أنه غالباً ما يكون ذو طابع مجتمعي يتحدث عن قضية حياتيه يومية، أو قضايا سياسية بطابع مسرحي جميل، أو حتى قضايا تطرح أفكار من الميثودولوجيا المجتمعية أو الأساطير، كمسرحية فاوست في ألمانيا، فاوست الطبيب الذي نذر نفسه للشيطان في سبيل المعرفة، على أنه رغم القلة من الإنتاج الأدبي، إلا أن المجتمعات كانت تقدر على التقييم بأسلوبها الخاص في المسرح، فكانت الخضروات الفاسدة والطماطم العفنة دائماً وسيلتهم للتقييم لا للرمي في القمامة، فالعمل الأدبي السيئ يعادل مرتبة القمامة لما له أضرار على النفس والجسد الإنساني، لذلك إذا ما لم ينل العمل إعجاب الجماهير عبروا بطريقتهم في الرمي على العمل ما وصلت له أيديهم من خضروات فاسدة وطماطم، لكن هل في وقتنا الحالي هل نقوم بالتقييم للأعمال على أساس حقيقتها ونوعيتها علينا؟ أم توجهنا لنقيس الأمور كمياً كما هو الطابع في العصر الحالي للحياة؟

أدت الثورات الصناعية والعلمية وانتشار مفهوم الأسواق إلى تغيير جذري في خريطة الحياة الفكرية لدى المجتمع الإنساني عامة، فلم يعد تخلو مدينة في العمل لم تغزوها المنتجات، بكافة أنواعها من منتجات صناعية أو أدبية أو حتى فكرية، أقول منتجات لأنها أقرب للكم من النوع، حيث ترى الأديب الأكبر هو القادر على ضخ الكم الأكبر من المؤلفات، رغم تكرار مضامينها واختلافها في الكلمات فقط، أي أن الأديب كان لديه فكرة كتبها وكررها بعدة كتب لكن بأسلوب مختلف، والعملية الإنتاجية هذه تشبه المصنع الذي هدفه الإنتاج ولو كان هناك اختلاف بسيط في المنتج، ولا يشابه الحرفي الماهر الذي يبذل نفسه في سبيل أن يصنع الأفضل الذي يمكن أن يعبر عن ذاته بإبداعه، وهو مدرك أن ما يصنعه أقرب للفن، وأن له أثر على المجتمع، كذلك يجب أن يكون العمل الفكري، فتجد الكثير من الـ"مفكرين" ينتجون الفكر إنتاجاً اكثر منهم بأن يبدعوا في طرح الأفكار.

 

نحتاج للكثير الكثير من الطماطم العفنة والخضروات الفاسدة، نحملها كسلاح بشكل مستمر وموجهة نحو كل عمل في البداية، لنقدر على التحليل وإصدار الرأي بموضوعية لا كمتلقين فقط

حيث ترى الكثيرين يحملون الأفكار لا يؤمنون سوى بقشورها لا بعمقها، وهي صفة الإنتاجية الرأسمالية فيما يخص الإنتاج بدون النظر نحو المنفعة والأهمية والأيمان فيما تنتج، حتى علماء وفيزيائيين غدوا كمهرجين في البرامج التلفزيونية مدعين أن هدفهم هو تحويل العمل العلمي ليكون سهلاً ومبسطاً للمجتمع، في حين أن عملهم يلغي الطابع الحقيقي للعلم، فعملهم في المرتبة الأولى يحول العلم لمنتج مسلي تلفزيونياً، على أن العلم في عمقه يحتاج لمن يدركوا مدى أهميته ونوعيته، فالعلم أسلوب تفكير وطريقة للمعرفة، بينما للأسف تم تحويله إلى كم معرفي، ومعلومات تم تشويهها وأفكار تمت تسخيفها حتى فقدت كل طابع وجمالية علمية.

الثورة الدعائية والقدرة على تحويل الكوكب الفارغ إلى شمس:

ومما يزيد من الفكر الإنتاجي الذي حول الطبيعة في القياس من المقياس النوعي إلى الكمي هي وسائل الدعاية، فاليوم نعيش في عصر يصبح الأديب أديباً بالشكل الأفضل بالقدر الذي يكون لديه سبله في العملية الدعائية لما لديه، أي أن المجتمع اصبح يتوجه اساساً إلى ما له عملية دعائية اكبر، كذلك ترى الأسماء الضخمة على المستوى الأدب والفكر العالمي وحتى في المجتمع العربي، بمضمون هو أقرب للفراغ، وذلك كله بسبب وقوف دول ربما أو وسائل إعلامية وعمليات ضخ إعلامية ضخمة في سبيل نشر أسم الأديب أو المفكر أو الفنان، على حين أن من يملكون الموهبة الحقيقية والمفكرين الحقيقين يبقون في الخفاء إذا لم تناسب أفكارهم الوسائل الإعلامية.

أتساءل أحياناً، لو عاش سبينوزا في عصرنا الحالي هل يمكن أن يكون شخصية مشهورة ويدعى للمقابلات التلفزيونية ويقلد الأوسمة والدكتوراه الفخرية من الجامعات لأعماله، عوضاً عن أنه عاش في علية مستأجرة في منزل في جانب المدينة، محاولاً تغيير اسمه خوفاً على نفسه من القتل، يعمل لأخر حياته الكئيبة كلها في العدسات، ذلك المبدع الذي أعاد تنظيم المعارف العقلية، أو إيمانويل كانط الفيلسوف الذي عاش حتى عمر الخمسين حتى استطاع أن يجد لنفسه منزل صغير يؤيه وهو العبقري ذو التفكير الذي غير في وجه التفكير الغربي، وحتى الخيام الذي قضى الجزء الأكبر من حياته محاولاً الهرب من محاولات الاغتيال، والعزلة من المجتمع.

 

علينا ألا ننجر نحو الأسماء الكبيرة، فالوهم موجود دائماً وسببه كما وضحنا الوسائل الإعلامية والدعائية، علينا أن نفكر بالنوعية ونخرج من عباءة الكم والإنتاجية والسلعوية
علينا ألا ننجر نحو الأسماء الكبيرة، فالوهم موجود دائماً وسببه كما وضحنا الوسائل الإعلامية والدعائية، علينا أن نفكر بالنوعية ونخرج من عباءة الكم والإنتاجية والسلعوية
 

أفكر في كل الأدباء والفلاسفة والشعراء، وحتى الموسيقيين كبيتهوفن وغيره ممن عانوا وعاشوا حياة صعبة بسبب عدم وجود من استطاع تقدير وجودهم، هل كانوا ليصبحوا أشخاص ذوي شأن في عصرنا الحالي إذا ما استطاعوا أن يجدوا لأنفسهم وسائل إعلامية ودعائية تنشر أسمائهم بالشكل الأكبر، فيغدوا عمالقة في عصرنا الحال؟! قد يكون في عصرنا الحالي أشخاص يشابهون في أفكارهم كانط وفان غوخ وديكارت والكثيرين من من عانوا، لكن في وقت أصبح القوة في يد من يقدر على الدعاية ربما قامت بتهميشهم بالشكل الأكبر، وتوجه المجتمع بشكل أو بأخر إلى ما هو كمي وليس نوعي أدى دوره أيضاً في تجاهل الكثيرين.

ما الذي نحتاجه في العصر الحالي لنقوم بتقييم الأعمال بنوعيتها لا بكميتها؟

أولاً نحتاج للكثير الكثير من الطماطم العفنة والخضروات الفاسدة، نحملها كسلاح بشكل مستمر وموجهة نحو كل عمل في البداية، لنقدر على التحليل وإصدار الرأي بموضوعية لا كمتلقين فقط، بل ناقدين محللين ما يصل إلينا، وفي اللحظة التي نقدر أن نصدر فيه الحكم إما أن نقف ونصفق في احترام للعمل، لأنه اساساً أخذ جزء منا في أثناء متابعته أو قراءته أو مهما تكن طريقة التلقي، أو نرمي ما تحمله يدينا من سلاح في وجه الأعمال الرديئة، فهي سرقت مننا جزء من وقتنا وفكرنا ربما، عليه تصبح الأعمال قبل أن يطرحها أصحابها، يفكرون مراراً بالطماطم التي تنتظر في الأيدي.

علينا ألا ننجر نحو الأسماء الكبيرة، فالوهم موجود دائماً وسببه كما وضحنا الوسائل الإعلامية والدعائية، علينا أن نفكر بالنوعية ونخرج من عباءة الكم والإنتاجية والسلعوية التي غزت حياتنا في كل التفاصيل، فالأدب والفنون والفكر وسائل لسمو الإنسان روحياً، وسائل لتزيد من إنسانيته وترفعه نحو الطبيعة الصحيحة البشرية، لذلك لا يجب علينا ان نضحي فيها، وأن نوضح رأينا في الفاسد والخاطئ بشكل مباشر وبلا تردد، فمن أخذ جزء منا يستحق أن نخبره بما فعل سواءاً سلباً ام ايجاباً. وفي النهاية الأعمال الفارغة تنتشر أيضاً بمقدار ما يتقبلها أشخاص، لذلك لنكون حريصين على عدم تلقي الفراغ والسماح لمن يسيئون للفن أو للأدب أو للفكر وحتى للعلم، بأن يكبروا من خلالنا.