السلطة الرابعة بين أعاصير التضليل وقشة الحق!

كان يخبرنا مدرس الفلسفة في الثانوية -نحن القسم الأدبي- أن ذَوي السّلطة يتفنَّنون في ابتكار أساليب لحفظ وإبقاء سلطتهم، لتوضيح فكرته أشار إلى نظام فصل الشُّعَب بين علمية وأدبية وكيف أنهم يروجون لبعض الإيديولوجيات الممنهجة التي تخدم سياساتهم، فمثلا الإيديولوجيا التي رافقت أذهاننا طوال دراستنا والتي تقول بأن الشُّعَب العلمية شُعَب للأذكياء والعباقرة، والأدبية للكسالى والخاملين المتثاقلين، هذه الفكرة التي رُسِّخَت في أذهاننا -يقول مدرس الفلسفة- ما كانت سوى أسلوبا تضليليا آخر لتوجيه أكبر عدد من التلاميذ إلى الشُعب العلمية وذلك لإنشاء جيل ميكانيكي يعمل وفق تعليماتهم ولثني البقية عن رغبة التوجه إلى الشعب الأدبية التي ليست إلا مصنعا للمزعجين المنكدين بالنسبة لهم، فإذا سرحت بتفكيرك لوهلة تدرك أنه بالفعل الشُعب العلمية تركز على صنع جيل ملم بتقنيات الإنتاج والصنع، بينما الشُعب الأدبية تصنع جيلا ناقدا محللا ومفكرا، وذوي السلط لا ينقصهم نكد ولا صداع رأس.

يومها علقت فكرة المدرس بذهني لكنني ما آمنت بها حتى مستني ألسنتها على أرض الواقع، حين حصلت على البكالوريا وأقبلت على عتبات الدراسات العليا وفوجئت كيف تقدم البكالوريات العلمية في المدارس العليا على حساب بكالوريات أدبية أعلى نقاطا وأثقل ميزة حتى في المدارس والمعاهد المتخصصة في مجال الإعلام والصحافة التي من المفترض أن يحدث فيها العكس ولستُ أروي هذا انتقاصا لشعبة ما ولكنني أروي تفسيرا محتملا لواقع يكاد لا يفسر، لواقع تترصد فيه السلَط مجتمعة سُلطة واحدة والتي هي السلطة الرابعة كما تكيد الضرائر بأحدثهن.

هكذا إذن يتم الاستحواذ على الإعلام ويتم حصاره من كافة الزوايا؛ يضيقون طرق الوصول إليها عبر التعليم من خلال المؤسسات التعليمية، في المغرب مثلا معهد أو معهدين للإعلام والصحافة لأربعين مليون نسمة، يلجأ لها ما يقل عن مائة وعشرين طالبا سنويا مختارين بدقة، إن لم يكن ابن فلان فليكن من هذه الشعبة لا تلك، فتلك الشعبة تنتج المزعجين، ولندجنهم على هذا المنوال كي لا يزعجنا أحدهم حين يتخرج. هكذا من المهد إلى الورع يتم التحكم بمجال الإعلام والصحافة، أما الحديث عن ما بعد التعليم فسيطول جدا.

 

الإعلام بحر يخوضه أرباب اليخوت والأساطيل وذوي الزوارق المتواضعة ويسبح فيه العراة أيضا، إذا صار مسمى لا يمكن حصره ولا تحجيمه، فهو كل شيء يشاع ويصل عقول الناس لا يهم أي طريق سلك

إني أكتب مقالي هذا فيمر ببالي الصحفي الشهيد طارق أيوب رحمه الله الذي استشهد أثناء تواجده بمقر الجزيرة ببغداد الذي استُهدف من طرف صاروخ أمريكي أثناء الحرب على العراق سنة 2003. ويمر ببالي تيسير علواني الذي نجا من الموت حين قصف مقر الجزيرة بأفغانستان ولم ينجو من مكائد المتسلطين الذي لفقوا له التهم وغيبوا 7 سنوات من عمره في السجون. وتفيض عيناي حين أتذكر مشهد استشهاد الصحفي خالد محمد أثناء تغطيته للعدوان على غزة سنة 2014، فتشهد آلة تصويره وتنطق بالحق رغما عن أياديهم الخانقة المغمسة بدماء الأبرياء. وسلمان العودة وباهر محمد ومحمد فهمي وحميد المهداوي ومحمود حسين والآن جمال خاشقجي وإعلاميون كثر من حراس الحقيقة وأصوات الحق التي سجنت وأعدمت وهجرت وعذبت ولكنها ضلت وفية للحق، بعضهم لم تسعهم معرفتي المتواضعة وبعضهم دفنوا في غياهب النسيان ولم ينصف تضحياتهم هذا العالم المغرور.

وإني وإن كان عمري لم يصل عقدين بعد فإني تابعتُ أخبار الدنيا بما يكفي لأسمع عن هؤلاء الأبطال وعشت بما يكفي لأشهد كيف تُصَيّدُ الأصوات الحرة وتخبوا في العدم. والحراك الشعبي بالريف الذي شهدته كان كفيلا بأن يكشف الحجاب عن الأعين ويفضح المستور، إذ شاهدتُ بأم عيني كيف اعتقل أشخاص كان ذنبهم الوحيد أنهم يصورون شوارع مدينتهم بالفيديو المباشر على مواقع التواصل الاجتماعي علهم ينجحون في نقل الواقع كما هو لمن لا يعرفه وعلهم يردعون بالمشهد الحي تلك المشاهد المفبركة التي تنقلها قنوات الإعلام التي يتحكم بها المتسلطون.

 

رأيتُ كيف يُعتقل أشخاص يطالبون بأشياء من المفترض هي من أساسيات العيش وقد تجاوزها العالم من زمان وصارت كالهواء من حق الجميع دون أن يُطلَب، وكيف بُرّرت هذه الممارسات بأنها محاربة للفتنة وتصفية لأعداء الوطنية. لا زلت أحث عقلي على فهم موقع المنطق من اعتبار من يسعى للرقي بشباب وطنه ويحاسب من يسرق رغيفهم ليس وطنيا، ولكنه رأسي السميك يخبرني أن هذه ليست إلا طريقة مبتكرة أخرى لستر فضائحهم والحفاظ على سلطتهم، هكذا ببساطة يسرقون منا أوطاننا، ينهشونها ويرموننا بالوطنية فتاتا يحاسبون بها من يعادي سياساتهم ويحشون بها عقول من نخر الجهل بصيرتهم فصدقوهم.. والمضحك المبكي حين تصل بهم تفاهتهم ليتهموك بالكفر واللاوطنية حين تقاطع منتجاتهم وتمتنع عن إفراغ جيبك في جيوبهم وكأنك قد امتنعت عن أداء الزكاة لخليفة الله على الأرض. وتفتح شاشة التلفاز فتجدهم يحتفون باليوم العالمي للقرد ويبكون لأن بعوضة لا تملك سيارة تصور بها تحدي الكيكي، نعم بهذه البساطة وبهذا القدر من الوقاحة يتجاهل إعلامهم الشعب الذي أذاقه الذل والجوع وسوء الصحة وفقر الحقوق الأمرين، ويرمون في وجهه هكذا أخبار تكهرب المنطق.

إني أهجو في مقالي هذا تلك السلطة التي تسلطت عليها السلط، وأقول السلطة الرابعة فلا أعني بها شاشات التلفاز وشبكات التواصل الاجتماعي فقط، فالإعلام بحر كبير يخوضه أرباب اليخوت والأساطيل وذوي الزوارق المتواضعة ويسبح فيه العراة أيضا، إذا صار مسمى لا يمكن حصره ولا تحجيمه، فهو كل شيء يشاع ويصل عقول الناس لا يهم أي طريق سلك. وحري بنا أن ندرك أن سلطة كهذه تطالها الأيادي القذرة ويطعنها ذويها غدرا تحتاج منا تمحيصا وتصحيحا ونهضة فعلية لخلق إعلام لصيق بواقع الشعوب وهمومهم وحريص على رصد قضاياهم والحث على التكتل لحلها، فليس كل خبر ينقل حقيقة، وليس كل رأي يرصد رأي سديد، فكم من خبر وتصريح جاء ليشحن جماعة ضد أخرى، وكم من إيديولوجيا نيمت عقولنا لعقود من الزمن. إني أهجو متنفسا تم خنقه بدس الخونة فيه وكيد المكائد لمن كان فيه حريصا على الحقيقة والحق، وأحتقر كل من يسلط سلطه على الأصوات الحرة وكل من يندس في ثوب الإعلام مزيفا ومشوها للواقع والحق وأقول له كما قال أدهم شرقاوي ذات مقال: "انقرضوا يرحمكم الله"!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

سياقاتُ تحريك الإدراكِ المجتمعيِّ والسيطرة عليه تتمثل على أشكالٍ عدةٍ وتتمحور هذه السياقات حول تلبية الاحتياجاتِ والرغباتِ الفردية والمجتمعية وتحويلها إلى واقعٍ مصطنعٍ يتم ترويجه على أنَّه الواقعُ الحقيقيُّ.

كلما خرجتَ من دائرتك تعلمتَ الواقع أكثر، وانتبهتَ لعدم مركزية الكون حولك، وقد تكتشف النظرةَ العامةَ لك، وهي ما قد تكون أبعد بعيدة عن تلك التي حلمها عقلك وأيقنها فكرك.

فلنفتح أمامنا ملف المصداقية تجاه القضايا الإنسانية الفردية التي بتنا نعيشها وتطمسها ماكينة الإعلام الباطشة. هل سيعني انشغال المؤسسات الإعلامية بملفات تهمها أن نتناسى أننا أمام مآسٍ وإشكاليات تطال الفرد؟

الأكثر قراءة