وأد العقول.. كيف يتلاعب المستعمرون بثرواتنا وخيراتنا؟!

قد يبدو للبعض أن الحرب الدائرة في مشرقنا الإسلامي والعربي برمته هدفها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية، أو فرض سياسات اقتصادية عالمية ما، أو حتى بناء شرق أوسط جديد كما صرح بذلك الساسة والمسؤولون في أكثر من مناسبة، وهذا بإجماله صحيح، ولكن الهدف الملموس الواقعي الذي يحقق للمستعمر الواضح وأذياله من الأدوات في دولنا -على اختلاف مسمياتها- هو وأد القوة في المشرق، وأد لكل أشكال هذه القوة، بشرية وفكرية وسياسية واقتصادية.

 

إن كل ما نشهده اليوم في حياتنا من حروب ونزاعات مسلحة، واحتلال صريح ومقنع للجغرافيا في المشرق برمته ما هي إلا الصورة الظاهرة، أو رأس الجبل الجليدي – كما يقال – ولكن الحقيقة الغائبة عن عقول وعيون كثير من المتابعين أن القتل والتدمير والتهجير والملاحقة تشمل فئة واحدة من الناس بصورة مباشرة، ألا وهي فئة الرواد أو المبدعين أو الذين يمكن لهم أن يكونوا عوامل نهضة في مجتمعاتهم.

 

في فلسطين، في العراق، في سوريا، في اليمن، في ليبيا، وفي كل أصقاع عالمنا العربي، للمستعمر عيون وأيادٍ يحاول من خلالها البحث والدراسة المعمقة لكل الشعوب والمجتمعات، ولديه من مراكز الدراسات والبحوث الغربية والعربية ما يزوده بالمعلومات والإحصاءات، ومع أن شبابنا – فضلاً عن سياسيينا في العالم العربي – لا يقرؤون هذه الإحصائيات والدراسات، ولا يلقون لها بالاً إلا أن هذه الأرقام والأسماء والمؤشرات تتم قراءتها بدقة في دوائر صنع القرار الغربي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات إزاءها.

 

هدف المستعمر هو أن تكون الساحات خالية من ذوي العقول ومن أهل الهمم، فالساحة لا تسع له ولهم في آن واحد، وهو يعلم أن الحرب الحقيقية تدور بينه وبينهم، لا بينه وبين الشعوب المقهورة البسيطة

بنظرة سريعة للواقع، تفيد كل المعطيات إلى أن من يتعرض للقتل والتصفية الجسدية، والاعتقال والإبعاد والملاحقة والتهجير، والتضييق في أسباب العيش وكسب الرزق، والمنع من السفر والدراسة، والملاحقة بالتشهير والقذف والتشويه، هم نخب المجتمع ورواده، علماء وأكاديميون وإعلاميون وساسة ومدراء مؤسساتيون ومؤلفون وكتاب، وشباب مبدعون، كل واحد منهم لديه رؤية، وكلهم وضع تحت المجهر ليتم التعامل معه من خلال المحتل وأذنابه وأدواته على مستوى ذكائه وخطره عليهم.

 

كثير من الحالات التي لا يعلم عنها المجتمع شيئاً تعيش الضنك بسبب عقلها، بسبب كونها ذات قدرات مميزة، فمئات العقول العراقية قتلت في أسبوع واحد بعد الغزو قبل أن يتم الغزو ذاته، فبغيابهم تفرغ الساحة، وعلى ذلك يمكننا القياس على دول ومجتمعات أخرى، بعضها عرف الإعلام عنها وبعضها الآخر سجل ضد مجهول، وكثير منها نسي الراصدون تسجيلها، لكن هدف المستعمر- العلني والمقنع- هو أن تكون الساحات خالية من ذوي العقول ومن أهل الهمم، فالساحة لا تسع له ولهم في آن واحد، وهو يعلم أن الحرب الحقيقية تدور بينه وبينهم، لا بينه وبين الشعوب المقهورة البسيطة البائسة.

 

من هنا، وجب الوعي بأهمية صناعة أهل الهمم وأصحاب الأمل، ويجب الحفاظ عليهم كقيمة مجتمعية من الدرجة الأولى، والشعوب التي لا تهتم بعلمائها ونخبها وروادها تستحق أن تستعبد، بينما نجد الغرب قد بادر لتكريم كل عقل مبدع، وكل صاحب مشروع مميز، وكل ذي همة من خلال الدعم المادي والمعنوي والحفاظ عليه في مؤسسات راقية مع سبل الأمان والرفاهية في الآن ذاته.

 

لنراجع ملفات الذكرى في أوطاننا جميعاً، ولنقف لدقائق فقط مع نماذج عرفتموها بأنفسكم في مجتمعاتكم، أنا واثق من أن لدى كل شخص منا عشرات الأسماء لأشخاص يجري تغييبهم عن مجتمعه قسراً، ليعيش المجتمع كقطيع أغنام بلا راعٍ، وبالتالي يسهل للمستعمر أن يقوده ويتلاعب بثرواته وخيراته.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة