منجرة الأقمشة الكهربائية لحلاقة الأحذية الغذائية!

الشاب العربي خبير اقتصادي، ومحلل رياضي، ومفكر سياسي، وأحياناً قد يصبح مهندس زراعي أو محامي. إذا كان الحديث في السياسة يجلس جلسة الكبير الوقور ويشبك أصابع يديه معاً ويسترسل في الحديث والتحليل، فيشطح خياله شرقاً وغرباً، حتى تكاد تصدق أن هيكل عاد من جديد وتجسّد في شخص هذا العبقري الذي أمامك، وعندما يكون الحديث عن الرياضة تراه اعتدل وشمّر عن ساعديه كأنه سيدخل معركة، وبدأ يجوب الملعب من اليمين واليسار، وغالباً لن يعجبه أي لاعب ولا حتى المدرب ولا الجماهير أيضاً، ستراه ينفعل ويثور إذا عارضت كلامه، ويتهمك بالغباء إذا ناقشته، كأنك أمام أنشيلوتي الإيطالي أو مورينهو البرتغالي.

شبابنا تائه ضائع، يعيش حالة من الانفصام الفكري والنفسي، فتارةً يتهم الغرب بالمؤامرة على العرب والمسلمين، في نفس الوقت الذي يعترف بفضلهم في حياتنا، وتارةً يجزم بأن الدين هو المشكلة وقبل ساعة كان يؤكد أن البعد عن الدين هو المشكلة! يسدي النصائح للأخرين بإبداع ولا يطبقها، يعمل بخمسة أو ستة أعمال ولا يتقن منها شيئاً، يحثُّ أبناءه على النوم باكراً ويسهر حتى الفجر، وأثناء نقاشه مع أحد يطلب منه الهدوء والتحدث بصوت منخفض ثم يبدأ هو بالصراخ، تجد في هاتفه المحمول القرآن والأدعية وتجد الأغاني الراقصة، وكل مصيبة تقع الأمة بها يكون سببها إما الماسونية وإما البيروقراطية وكلاهما لا يعرف عنها شيئاً، يرى أن القناة الفلانية قناة علمانية تبثُّ الأفلام والمسلسلات التي تهدف إلى هدم الأخلاق والقيم وتجدها أكثر قناة يشاهدها، يخوض في الأحاديث عن فلان وعلان ثم يلعن الغيبة والنميمة، وهنا يكمن التساؤل، ما السبب في كل ذلك؟

قديما كانت الأخلاق والأدب عنوان للتربية ومقياساً لنباهة الطفل وعقله، أما الآن فالحاسوب واللغة الإنجليزية وترديد الأغاني هي مقياس تفوق الطفل وذكاءه

لما هذا الصراع الفكري والنفسي والديني والاجتماعي في عقول أغلب شبابنا؟ لما هذا التناقض الكبير والتشتت والضياع؟ ما سبب هذا الاستهتار الكبير واللامبالاة التي يعيشها الشاب العربي؟ لا أهداف تُوضع، ولا تخطيط، ولا اجتهاد ولا عمل، ثم يلوم الحظ والنصيب دون سعي منه إلى التقدم لو خطوة، تجده بالعشرينات من عمره لكنه صبي بالعقل وحتى بالشكل والتصرفات أيضاً، بعكس شبابنا قديماً كانوا رجالاً وهم بالمرحلة الإعدادية، حديثهم قضايا الأمة وليس لعبة "ببجي أو كاندي كراش"، ينتمون للأحزاب منذ اليفع ويقرأون ويطالعون ويبحثون، أما اليوم فقد تجد شاباً بالعشرين لم يقرأ كتاباً في حياته، وقد تسأله عن المفكرين والأدباء فلا يعرف منهم أحداً بينما قد يعدد لك ألف لاعب أو فنان وقد يحفظ تواريخ ميلادهم وأسماء أمهاتهم، ولا تستغرب إن وجدت من يعرف مقاسات أحذيتهم أيضاً.

الخلل يكمن في عدة محاور تجمّعت كلها حول عقل الشاب العربي حتى جعلته كذلك، أبرزها التربية منذ الصغر، فقديما كانت الأخلاق والأدب عنوان للتربية ومقياساً لنباهة الطفل وعقله، أما الآن فالحاسوب واللغة الإنجليزية وترديد الأغاني هي مقياس تفوق الطفل وذكاءه، ويأتي أيضاً المدرسة بعد أن خوت المناهج من القيم والأخلاق والتاريخ وأصبحت كُتيبات صغيرة تحوي علوماً يتم تلقينها للطفل كأنه آلة، وللمجتمع دور أيضاً في انهيار العقول العربية فقد أصبح المجتمع مستهلكاً مسعوراً خلف لقمة عيشه بأي طريقة كانت بغض النظر عن القيم والأخلاق، وللحكومات أيضاً نصيب لا بأس به من سبب ضياع شبابنا، فلا برامج تنموية هادفة، ولا حلول للبطالة، ولا إعلام مبني على تنمية العقول ولا اهتمام بالمبدعين والمفكرين، ولا علاج للظواهر السلبية السائدة بالمجتمع.

أخيراً.. لم أجد وصفاً مناسباً لما أشاهده من تردي لحال الشباب العربي واختفاء للقيم والأخلاق وأحياناً الإنسانية، ولم أجد تعبيرا ومفردات تسعفني لألخص عقل الشاب العربي وذلك التناقض الكبير والانفصام العظيم به إلا أنه عبارة عن أنك تقف أمام واجهة محل تجاري وتقرأ اسم المحل (منجرة الأقمشة الكهربائية لحلاقة الأحذية الغذائية).



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة