عن الإناث اللواتي يحلمن بالزواج!

كان ممكنا أن يمتلك المرء أحلاما وطموحات كبرى، تتجاوز ما هو سائد، نحو تحقيق الأمور التي تجعل هذا المرء يشعر بأنه وصل إلى ما كان يشغل باله، وكان ممكنا أيضا أن يجد المرء السبيل نحو تحقيق أحلامه، إذا كانت واقعية، وأن يجتهد لأجل ذلك، لكن الواقع أن معظم الأفراد في مجتمعنا المغربي لا يفكرون بهذا المنطق، فواقع الحال يؤكد على أن الأغلبية الساحقة لا تملك من الأحلام ومن الطموحات إلا ما يبدو محدودا، وخير مثال على ذلك متعلق بالإناث، ذلك لأن سقف أحلامهن لا يتعدى الزواج، والحصول على الشريك الذي يمكن أن يريحهن من عبث الحياة، هذا إذا لم يفعل بهن العكس.

 

هكذا تفكر أغلبية الإناث وسط مجتمع تعشش فيه السلبيات في جوانب عدة، ويبقى أبرزها هذا الموضوع، والذي حاولت النبش فيه انطلاقا من ملاحظاتي وواقعي، والمتعلق بالطموح المحدود للعديد من الفتيات، هؤلاء الفتيات لم تعد حياتهن مرتبطة بهدف يمكن أن يحققن فيه ذاتهن، بل إن حياتهن مرتبطة بشخص يمكن أن يحقق لهن ما ينقصهن في حياتهن، ولعل معظمهن يتمنين بكل ما أوتين من طموح الحصول على شريك يرتبط بهن باسم القانون والدين، ومن أجل ذلك يمكن أن يسمحن في دراستهن، وينسحبن من عملهن، وهنا يتجلى بوضوح أننا نعيش وسط مجتمع تتراكم عليه السليبات، ومن المؤسف أن يصل الأمر إلى أن يكون الحلم والطموح لا يتعدى الزواج.

 

نشأت الفتيات في المجتمع المغربي على الخضوع لمجموعة من القيود والأشخاص، وساهم ذلك في مسألة كونهن ينظرن لأنفسهن على أنهن مجبرات على هذا الخضوع

تتجاذب المجتمع المغربي عقليات تسعى إلى التحرر من الماضي في سبيل مسايرة الركب العالمي، وعقليات ما تنفك تسعى إلى إعادة أمجاد الماضي، ولعل العقليات التي تملك من الأحلام ما يمكن لصاحبها أن يحقق به ذاته تستحق أن توجد قدر الإمكان في الواقع الذي يؤمن بقيمة الإنسان، لكن العقليات التي لا تؤمن بهذا الإنسان، والتي تربط حياتها بأمور متجاوزة نوعا ما، والتي تربط حياتها بأشخاص بدل أهداف، والتي لا ترى في تحقيق الذات مهمة ممكنة، هذه العقليات يجب أن يتم محاربتها قدر الإمكان.

 

لأنها لا تليق بما تسعى إليه البشرية، فالبشرية تسعى على نطاق واسع إلى الإيمان بالإنسان كفرد، دون خضوعه لشخص أو قيد ما، ولأجل ذلك يجب بناء إنسان يؤمن بقدراته وبقدرته على تحقيق ذاته، وهذا هو الإنسان الذي يمكن أن نتفاءل به خيرا وسط مجتمع يتقهقر حنينا إلى الماضي، ويمكن القول بأن هذا الماضي هو السبب بدون شك في وجود فئات لا تملك طموحات ولا أحلام، ولا تسعى إلى تحقيق ذاتها، بل كل ما يشغل بالها هو إيجاد شريك يحقق ذلك المسعى، وهذا هو الحلم الذي يشغل بال العديد من الفتيات، وهو الحلم الذي يثير الاشمئزاز عندما يصبح متداولا على نطاق واسع حتى لدى الفتيات اللواتي يبدو أنهن يرغبن في ممارسة التحرر.

 

لقد نشأت الفتيات في المجتمع المغربي على الخضوع لمجموعة من القيود والأشخاص، وساهم ذلك في مسألة كونهن ينظرن لأنفسهن على أنهن مجبرات على هذا الخضوع، فبات الأمر بمثابة ثقافة تحكم هذا المجتمع بشكل عام، ويبدو من خلال الملاحظة أن هذا الأمر موجود أكثر مما نتصور، فالفتاة تخضع لأبيها وإخوتها، وعندما ترتبط بشخص ما، فهي غالبا تصبح خاضعة له نوعا ما، أما الزوجة، فقد فرضت عليها الثقافة المجتمعية الخضوع لزوجها، ومن خلال ذلك يبدو محتملا أن هذا الخضوع بات جزء من طبيعة هذه الأنثى، ومما يؤكد ذلك أن هذا الأمر ليس حكرا على الفتيات في المجتمعات المتأخرة، لأنه غالبا توجد فتيات من هذا النوع في المجتمعات المتقدمة، مما وضع إمكانية أن يكون الخضوع جزء من طبيعة الأنثى، رغم الاستثناء الذي يطال القليلات، اللائي تحررن من هذا الخضوع بكل ما أوتين من وعي.

من خلال أغلب ملاحظاتي حول تفكير وطموح الفتيات، وجدت أن أغلبهن يحلمن بالزواج، والأسوأ من ذلك أن فيهن من ترضى لنفسها أول زوج يطرق بابها، دون أن تتريث لتتعرف عليه بشكل دقيق، كما أن هناك من تنصاع لرغبة عائلتها في تزويجها بقريب ما، وقد يكون الخوف من العنوسة سببا ممكنا في هذا الأمر، ذلك أنه عندما يصير الزواج حلما، فإن الأمر تجاوز الحدود، وأن هذه العقليات اللائي يفكرن هكذا، ما لبثن خارج السياق الذي كان مفترضا أن يسيرن فيه. إذ أنه لا يعقل أن يكون حلم الفتاة منحصرا على الحصول على زوج، ومن خلال ذلك، يمكن الحكم بأن الفتاة التي تصبح مطالبها في الحياة لا تتعدى الزواج، هذه الفتاة نزعت عن نفسه مسألة كونها إنسانة، لأن الحلم بأمر كالزواج، لم ولن يكون لائقا بالإنسان ككائن حر وقائم بذاته، ومن المعروف أن الإنسان يجب أن يصنع ذاته دون انتظار شخص كي يقوم بذلك، ولكن لما بتنا أمام حالات تتقبل هذا الأمر، وتجعل من الزواج حلما كبيرا، فإننا لا نملك إلا أن نرثى لحالهن، وأن نتأسف على طبيعة عقليتهن.

 

المجتمع يفرض قواعده بشكل لافت على الأفراد، وفي سياق الموضوع الذي نعالجه، فهذا المجتمع ينظر إلى العنوسة نظرة سلبية، ولعل ذلك بمثابة سبب مخيف للأنثى في أن تظل في بيت والديها
 

لعل الحديث عن امرأة خاضعة، يقلل من شأن الأنثى، وقد يكون ذلك سببا في النظرة الدونية التي تلاحق المرأة في المجتمعات الذكورية، ويكفي أن نضع تعريف مجتمعاتنا بالذكورية، لكي نتأكد أن مسألة خضوع المرأة بمثابة ضرورة تفرضها هذه المجتمعات، ولقد بات ذلك بمثابة ثقافة تحكم هذه المجتمعات، وهو نمط التفكير الذي يستحوذ على الأغلبية بما في ذلك الإناث، فهن ينظرن إلى أنفسهن على أنهن أقل من الرجل، وأن الرجل هو من يجب أن يملك زمام أمورهن، وأن يقعن تحت سيطرته، فما كان من هؤلاء الإناث إلا أن دخلن في سياق هذا التفكير السائد، مما فرض عليهن أن يسايرن ذلك بالرغبة في الحصول على رجل ينتمين إليه، ويكون بمثابة قائد ورجل عليهن، بينما كان مفترضا أن يكون شريكا، يتشاركن معه في كل ما يخص الحياة بالتساوي، وليس بسلطة أحد على أخر.

 

من الواضح أن المجتمع يفرض قواعده بشكل لافت على الأفراد، وفي سياق الموضوع الذي نعالجه، فهذا المجتمع ينظر إلى العنوسة نظرة سلبية، ولعل ذلك بمثابة سبب مخيف للأنثى في أن تظل في بيت والديها، وهذا الخوف من العنوسة، والذي يدينه المجتمع بشكل خفي، هو الذي يجعل الأنثى ترغب بشدة في الزواج، حتى تتحرر من نظرة المجتمع السلبية، ولهذه الغاية أصبح هذا الزواج حلما مرافقا للفتاة، يمكن أن يقيها من شر العنوسة، ومن النظرة المجتمعية، وهكذا يبدو واضحا أن هذا الحلم المحدود للأنثى مفروض من المجتمع بطريقة غير مباشرة، وما دامت الأنثى لم تتحرر من السلبيات المجتمعية، فإنها ستظل خاضعة للأمر، وسيظل الزواج بمثابة حلم يروادها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذر صندوق النقد من تأثر نمو الخليج بعدم استقرار سوق النفط رغم تفاؤله بنمو اقتصاده هذا العام، بينما أكد حاجة إيران لأسعار خام بنحو 99 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن بميزانيتها.

الأكثر قراءة