اختلفت المعادلة.. غزة تقصف الكيان!

تغيرت المعادلة، لم يعد الوسم الذي يُعبر عن تضامننا مع قطاع غزة "غزة تحت القصف"، بل بات الوسم الدقيق "غزة تقصف الكيان"، وهذا الاختلاف الجوهري الذي نحياه اليوم لا يختلف عن التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة العربية برمتها، فالدول العربية الساعية لهثاً خلف تطبيع مع الاحتلال، يعتبر تحول في المواقف، ولكن غزة تتحول على غير الدول، غزة ذلك القطاع الصغير المحاصر منذ 12 عاماً من قبل دولة الاحتلال، ترفض أن تكون مرتعاً لعمليات الاحتلال، غزة لم تكت لتونس التي اغتيل فيها محمد الزواري، وليست كدبي التي اغتيل فيها محمود المبحوح، وليست كماليزيا التي اغتيل فيها فادي البطش، غزة ليست دولة عربية يفعل فيها الموساد الصهيوني ما يريد دون حساب.

يكفي للمتابع للشأن الفلسطيني أن يشاهد مقاطع الفيديو التي نشرتها المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وتفجيرهم لحافلة خاصة بجنود الاحتلال في إحدى مستوطنات "غلاف غزة"، يكفي هذه المشاهد لتظهر حجم التحول والمتمثل في التالي:

أولاً: ما عادت غزة بدور المدافع عن النفس، إنما هي قادرة على الرد على تعنتات الاحتلال، في الوقت الذي تريده، فالقصف الذي تعرضت لها مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي أمس، كان رد من المقاومة على حماقات الاحتلال الذي ظن غزة لقمة سائغة، وحاولت وحدة خاصة من جيش الاحتلال تنفيذ عملية عسكرية، ليكون رد المقاومة في الوقت الذي تريده هي وبالحال الذي تريده.

ثانياً: تصوير فيديو المركبة وهي تُقصف وتحترق هي رسالة واضحة من كتائب القسام للاحتلال أننا قادرون على ضربكم، وأنكم تحت مراقبتنا وأعيننا، وأن قدراتنا العسكرية التي نُحارب عليها بالحصار، في تطور متزايد.

ثالثاً: رغم عدم سعي المقاومة وكذلك الاحتلال في الدخول بحرب على القطاع، إلا أن المقاومة أوصلت رسالتها للاحتلال أن صمتنا والحديث عن التهدئة على المستوى السياسي لا يعني أننا لا نملك حق الرد على ممارسات الاحتلال، ولا نملك قرار بالرد. 

تكتم الاحتلال على خسائره الأخيرة، وفي حال إعلان تهدئة مع غزة، فإن ذلك يعني أن الطرفان سواء المقاومة أو الاحتلال يتصرفان كمركز قوة في المنطقة، تريد إحداهما الانتصار الكامل على الأخرى

المشهد الأكثر بؤساً بالنسبة للاحتلال، ظهر جليّاً بالتردد في تصريحات قادة الاحتلال بالكشف عن طبيعة العملية العسكرية التي حاول جيش الاحتلال تنفيذها في غزة، عندما ارسل قواته الخاصة بمركبة مدينة الى خانيونس، وعندما كشفت المقاومة أمرهم جرى اشتباك مسلح استشهد على إثره قائد في كتائب القسام و6 آخرين، فيما فشل الاحتلال في مهمته، وأجلى قتلاه وجرحاه، ولهذه اعتبارات عدة أهمها:

أولاً: القوة الاستخباراتية العسكرية التي تتمتع بها المقاومة في غزة، ومكنتها من احباط عملية عسكرية ربما كان مقرر أن تكون معقدة من شأنها أن تقلب الطاولة خاصة في ملف جنود الاحتلال الأسرى في غزة.

ثانياً: استمرار الفشل العسكري الاستخباري الذي يلاحق دولة الاحتلال، خاصة في الآونة الأخيرة، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وهذا الفشل يتمثل في عدم تمكن أكثر وحدات جيش الاحتلال تطوراً عسكرياً من تنفيذ عملية داخل غزة، خاصة وأن عملية الاغتيال التي جرت قبل سنوات للشهيد مازن فقهاء لم تكن بيد جنود الاحتلال مباشرة إنما بيد عملائه، أي أن الاحتلال منذ أعوام لم يستطع الدخول الى غزة بسهولة دخوله الى الدول العربية وتنفيذ عمليات اغتيالات متنوعة ضد شخوص لهم وزنهم الفكري والسياسي والمقاوِم.

ثالثاً: الأزمة الداخلية التي تعصف بالمجتمع الصهيوني، ومحاولة الخروج بدور البطل والمنتصر ومحاولة دولة الاحتلال تنفيذ عمليات عسكرية من شأنها أن تغض طرف الجمهور الصهيوني عن الانتقادات اللاذعة ضد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي مرر الأموال القطرية إلى غزة وواجه انتقادات داخلية واسعة، وبعد الفشل في غزة أصبح وزير الجيش إلى جانب نتنياهو مطالبين بتبرير تدهور الأوضاع مع غزة بما لا يخدم دولة الاحتلال.

رابعاً: نجاح المقاومة الفلسطينية في تثبيت معادلتها التي أعلنتها قبل أشهر، وهي "القصف بالقصف"، الأمر الذي أربك حسابات الاحتلال الذي ربما لم يكن يملك معلومات استخباراتية كافية عن تطور المقاومة في غزة، وإلى أين وصلت منظومتها العسكرية وقدرتها على الرد على أي اعتداء إسرائيلي عليها، وذلك بسبب السرية الكبيرة التي تعمل على أساسها الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة في غزة، ونجاحها مؤخراً في الكشف عن أكبر قواعد الاحتلال التجسسية متمثلة بشخوص "عملاء" وكذلك طائرات أو أجهزة تجسس.

ختاماً.. إن تكتم الاحتلال على خسائره الأخيرة، وفي حال إعلان تهدئة مع غزة، فإن ذلك يعني أن الطرفان سواء المقاومة أو الاحتلال يتصرفان كمركز قوة في المنطقة، أو أقطاب متوازية تريد إحداهما الانتصار الكامل على الأخرى -مع اختلاف القدرات العسكرية بينهما- ولكن يكفي للفلسطيني أنه يملك قوة الحق التي يقاتل بها ضعف الاحتلال الذي لا يملك أي حق على أرض فلسطين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

جددت حشود فلسطينية شاركت في مسيرة لنصرة قطاع غزة وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية مساء الثلاثاء، مطالبها برفع العقوبات التي تُتّهم السلطة الفلسطينية بفرضها على القطاع.

الأكثر قراءة