ماذا بعد قرن من نهاية الحرب العالمية الأولى؟

blogs الحرب بالعالمية الأولى

تعيش الإنسانية في هذه الأيام الذكرى المئوية الأولى لانتهاء الحرب الأوروبية أو العالمية الأولى التي تعد من أعنف الصراعات في تاريخ البشرية ومهدت لعدد من الثورات وكانت بداية النهاية لعصر الامبراطوريات العظمى حيث انهارت على أعتابها الإمبراطوريّة الروسيّة، والإمبراطوريّة الألمانيّة، والإمبراطوريّة النمساويّة المجريّة، إضافةً إلى أنها كانت نهاية السلطنة العثمانيّة العظيمة.

تسببت الحرب بمقتل 9 ملايين إنسان وكانت ركيزة من ركائز قيام الكيان الصهيوني حيث استطاع الصهاينة الحصول على وعد من وزير خارجية بريطانية آرثر بلفور مقابل وعد من الصهاينة للبريطانيين بإيقاف تقدم ألمانيا على حساب الحلفاء من خلال اقناع الولايات المتحدة الأمريكية المعزولة عن العالم في قارتها الكبيرة وسط المحيط الأطلسي بالمشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء.

وليس صدفة أن يقدم العرض اليهودي الإيراني "جيمس مالكوم" إلى نائب وزير الحربية البريطانية "مارك سايكس" الذي رسم مع صديقه الفرنسي "بيكو" حدود بلادنا المصطنعة التي تدور على رحاها اليوم صراعات دولية كبيرة تدلل بوضوح على فاصلة تاريخية قد تتسبب بحرب عالمية جديدة قبيل انهيار النظام العالمي الحالي.

بالعودة إلى حقبة الحرب العالمية الأولى عمد اليهود إلى إدخال الولايات المتحدة الأمريكية في أتون المعركة من خلال مساعدة اللوبي الصهيوني لمرشح الحزب الجمهوري "ويلسون" بالفوز في انتخابات 1912 بعد فقدانه الأمل بالانتصار مقابل الانخراط في الحرب، وليس تبني "ترامب" لصفقة القرن مقابل المساعدة في فوزه بالانتخابات الأمريكية عنا ببعيد.

الظلم في توزيع السلطة على العالم في العقود الماضية يهدد بوضوح النظام العالمي الحالي وينذر بانهياره في السنوات القليلة المقبلة

من الواضح أن للحروب العالمية أسباب ودوافع كما هو الحال في أي حدث فالحرب العالمية الأولى كانت لإتاحة المجال للنورانيين اليهود بقيادة الشيوعيين الممولين من بارونات العائلات الأوروبية كي يطيحوا بحكم القياصرة الروس، وإقامة الاتحاد الشيوعي في أوروبا الشرقية وأسيا، وجعل روسيا العقل المركزي والمنطلق الفكري للحركة الشيوعية الإلحادية. وقد قام اليهود النورانيون والمتسلحون بثقة المحافل الماسونية بالتمهيد لهذه الحرب استغلالا للخلافات القوية بين الامبراطورية البريطانية وألمانيا، وبعدها أعطي المجال للدولة الشيوعية الكبرى بتدمير الحكومات الأخرى في أوروبا الشرقية ودول العالم وإضعاف الدين ورجاله.

في حين كان هدف الحرب العالمية الثانية تدمير النازية الألمانية وازدياد سلطة الصهيونية العالمية لإقامة دولة إسرائيل فكانت كذبة من أكبر أكاذيب التاريخ بتأليف قصة محرقة اليهود "الهولوكوست"، وتقوية شوكة الشيوعية العالمية في نصف العالم وهو ما مهد لإيجاد قوة معادية للهيمنة الكاثوليكية في أوروبا والفاتيكان، وترسيخ حقيقة إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة حيث اعلنت دولة الكيان بعد ثلاث سنوات من نهاية الحرب.

لابد من ذكر الحرب العالمية الثانية فالأرض تعيش في ظل أجواء شبيهة بحالة ما بين الحربين العالميتين، وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" بقوله: "الفترة الحالية تتشابه مع الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حيث تتوفر نفس الظروف التي توحي باقتراب الحرب، خاصة تلك التي تلت الكساد الكبير عام 1929، وتلت الازمة المالية عام 2008".

الظلم في توزيع السلطة على العالم في العقود الماضية يهدد بوضوح النظام العالمي الحالي وينذر بانهياره في السنوات القليلة المقبلة فهيمنة القطب الأوحد على السياسة العالمية حالة غير سليمة ومؤشرات التململ منها ظاهرة للعيان، وليس أولها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي مثل احدى منظومات الأمن السياسي والاقتصادي العاجزة عن الخروج من العباءة الأمريكية وخدمت كمنظومة هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وهي التي بدت كقوة مضافة إلى القوة الأمريكية دون لعب أدوار تعبر عن حجمها الحقيقي على المستوى الجيوسياسي.

ترى أوروبا أن من حقها أن تكون اليد الطولى لها على المصالح الدولية في المتوسط والقارة الافريقية التي لا تدرك أية دولة كبرى أسرارها السياسية وحقائق الجيوبوليتيك فيها، بقدر ما تحوزه عواصم دول "القارة العجوز"، المستعمر القديم للقارة السمراء وبوصفها المسيطر الأكبر على تكوين النخب السياسية والاقتصادية فيها، في حين تطمح لدور أكبر في آسيا.

وفي جديد مؤشرات محاولات أوروبا الخروج من المظلة الأمريكية دعوة لتشكيل جيش أوروبي موحد أطلقها الرئيس الفرنسي "ماكرون" ولاقت ترحيباً من مفوضية الاتحاد وعدد كبير من الدول حول العالم إلا أنها اصطدمت برفض أمريكي حيث وصف "ترامب" تلك الدعوة بالإهانة مطالباً الأوروبيين بدفع المزيد من الأموال لحلف شمال الأطلسي "ناتو".

الرفض الأوروبي لمطالب "ترامب" قديم متجدد فألمانيا أعلنت على لسان مستشارتها "أنجيلا ميركل" أنها تفضل رفع ميزانيتها العسكرية، وأن تعتمد أوروبا على قوتها الخاصة، بدلا من الدفع لأمريكا مقابل الحماية، وخرجت لتعلن أن على أوروبا عدم الاعتماد كليا على الولايات المتحدة، وأن يأخذ الاتحاد الأوروبي مصيره بيده، أما أعنف الخلافات فكانت حول تمسك ترامب بحق الولايات المتحدة فى فرض حماية جمركية على الواردات، ضاربا بعرض الحائط اتفاقية التجارة الحرة عبر الأطلسي، والاتفاقية الدولية للتجارة الحرة.

وتبدو الولايات المتحدة الأمريكية أكثر عزلة بعد الرفض الدولي لسياساتها في الشرق الأوسط والعالم وخاصة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والحصار الاقتصادي لإيران ورفع الرسوم الجمركية لبضائع أوروبا والصين وتركيا وغيرها من الدول والخروج من اتفاقية مناخ الأرض، التي تلزم الدول الصناعية بالحد من تلويث الغلاف الجوي بالانبعاثات الغازية، لكن ماكرون وصف موقف ترامب بأنه خطأ تاريخي، بينما قالت ميركل "لدينا هنا 6 ضد واحد" ملمحة إلى عزلة أمريكا، ومصممة على أن تمضي الدول الست في الاتفاق بدون أمريكا.

لا بد من فهم حركة التاريخ وإدراك لحقيقة أن الزمان دار وأن العالم تغير وأننا نعيش فاصلة تاريخية على شعوب الأرض أن تستغلها بشكل صحيح لتمنع انجرار العالم لحرب جديدة تحمل إليهم مآسي أبشع من سابقتها
لا بد من فهم حركة التاريخ وإدراك لحقيقة أن الزمان دار وأن العالم تغير وأننا نعيش فاصلة تاريخية على شعوب الأرض أن تستغلها بشكل صحيح لتمنع انجرار العالم لحرب جديدة تحمل إليهم مآسي أبشع من سابقتها
 

الحالة العدوانية التي كسرت قيود القوة الناعمة المتعمدة أمريكيا في الهيمنة العالمية طالت الصين التي ظهرت كأكبر منافس اقتصادي للولايات المتحدة في العقود الأخيرة وهو ما دفع "ترامب" لإعلان قرار يحد من تدفق البضائع الصينية إلى الولايات المتحدة وإتاحة المجال للاستثمارات المحلية بشكل أكبر، لكن تلك القيود من لم تمنع الصين استمرار العمل على انجاز طريق الحرير الذي يربطها مع آسيا الوسطى وروسيا وتركيا وأوروبا ما يعني تحول الصين من حضارة زراعية إلى حضارة صناعية- معلوماتية، تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة العالم الجيوبوليتية والاقتصادية، ودفع المؤسسات الصينية للانطلاق نحو الخارج، بربط البنى التحتية لمقاطعات الصين التي تمتلك مناطق للتجارة الحرة، بمسارات الحزام والطريق، مما يجعل من هذه المبادرة سلعة تنافسية غير حصرية تدل على تحول الصين من حضارة إقليمية إلى حضارة عولمية. النقلة الصينية الرائدة تهدد بنهاية الهيمنة الأمريكية وبروز هيمنة أوروآسيوية في ظل محاولات التحرر الأوروبي من القيود التي تربطها بأمريكا أو على الأقل قيام نظام دولي جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه آسيا وأوروبا دوراً عالمياً أكبر.

تبدو فرص ظهور نظام عالمي جديد أكبر بعد تفاقم الخلافات داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية الحالية وانكسار جليد القيم التي قامت عليها الولايات المتحدة وسعت لتعميمها على العالم وخاصة بعد تولي "ترامب" للرئاسة، الأمر الذي دفع تيارات عريضة في بعض الولايات بالمطالبة بالانفصال عن الدولة الأم الأمر الذي يهدد الكيان الأمريكي من الداخل بالتصدع وربما الانهيار أو على الأقل الضعف الذي بات جلياً في السنوات الأخيرة لصالح قوى عالمية أخرى يزداد نفوذها يوماً بعد يوم على حواف الانزياح الأمريكي من المشهد في بعض الدول.

تبقى مشكلة توزيع السلطة معضلة كبرى قد تكون محور نقاشات زعماء العالم في باريس وقد اجتمع أكثر من 70 منهم للاحتفال بمئوية يوم السلام الذي شهد هدنة إنهاء الحرب العالمية الأولى يوم 11/11/1918، فهل سيصل قادة العالم لاتفاق حول نظام دولي جديد دون حرب عالمية ثالثة قد تبدو ضرورية لضبط إيقاع هذا التغيير أم أن القطب الأوحد سيعالج الحالة الجديدة ببناء منظومات أمن سياسي واقتصادي تضيف قوة إلى قوته كما هي محاولاته في بناء الشرق الأوسط الجديد المتعثر بفعل المعالجة الخاطئة لكل الملفات الدولية والإقليمية.

لا بد من فهم حركة التاريخ وإدراك لحقيقة أن الزمان دار وأن العالم تغير وأننا نعيش فاصلة تاريخية على شعوب الأرض أن تستغلها بشكل صحيح لتمنع انجرار العالم لحرب جديدة تحمل إليهم مآسي أبشع من مآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية بعد سباق التسلح المحموم، مع ضمان حقوق هذه الشعوب البائسة التي تعيش في مهاوي الشقاء والتجويع والتجهيل والتحكم الجائر والاعتداء على القيم والثقافات الخاصة ومحاولات طمسها وتفريغها من مضامينها وتغييرها عبر الغزو الاقتصادي والثقافي والقوة الناعمة.