لماذا عادت العلاقات الحميمية للعرب مع إسرائيل؟

blogs زيارة نتنياهو لسلطنة عمان

"أولُ الرّقصِ حنجَلة"، بلاد العُرب تُطبيع مع إسرائيل، وتساهم بامتداد مشروع الشرق الأوسط الكبير. بدى اللقاء ونيساً بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والسلطان قابوس بن سعيد في العاصمة العمانية مسقط يوم الخامس والعشرين من أكتوبر، الزيارة الرسميّة تعتبرُ الأولى بين البلدين منذ آخر زيارة قام بها شيمون بيريز عام ١٩٩٦. فما الذي يعيد حميميّة العلاقات من جديد؟ لا بد لنا كجمهور مُتابع أن نلاحظ أن زيارة نتنياهو سبقها لقاء السلطان قابوس بالرئيس الفلسطيني محمود عباس لبحث آخر التطورات والمستجدات في القضية الفلسطينية. وحسب ما تم الإعلان عنه في وكالات الأنباء العُمانية فإن الزيارة الإسرائيلية تهدف لبحث سبل الدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط وتحديداً عملية السلام الخاصة بفلسطين والمتوقفة منذ ٢٠١٤.

 

تعقيباً على هذا اللقاء الإسرائيلي- العُماني، ظهر وزير الشؤون الخارجية العُماني يوسف بن علوي عبرَ لقاء متلفز- قناة الجزيرة، أكد فيه أن نتنياهو أبدى رغبته في زيارة عُمان بغية عرض وجهة نظره في حل الخلافات في المنطقة بينما روى بيان مكتب نتنياهو أن السلطان قابوس وجّه دعوة لنتنياهو لزيارة سلطنة عُمان لتفعيل الاتصالات بين البلدين وخاصة فيا يتعلق بإبراز الخبرات الإسرائيلية في مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. أيهما يسعى للأخر؟ وما الذي يُحرجُ عٌمان من التصريح بأنها من بادرت للقاء كونها لم تتحرج من اعتبار إسرائيل "دولة في الشرق الأوسط"، وعلى المدى الأبعد فإن هكذا زيارات تتوافق مع وصف أحمد نوفل في كتابه "دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي" بأن إسرائيل تهدف لاعتراف علني بها يتيح لها تحقيق مآرب أمنيّة وسياسية في المنطقة "تطمح إسرائيل للاعتراف العلني من العرب بأن فلسطين لم تعد عربية بل هي إسرائيلية بكل ما يعني ذلك من تنازلات عربية لصالح المشروع الصهيوني بالمنطقة".

 

وجاء على لسان بن علوي حينما سُأل عن سبب استقبال نتنياهو "لماذا استقبلت عمان؟ وهل هو محذور عليه؟ ليس محذور على أحد والسبب أن دولة إسرائيل هي دولة من دول الشرق الأوسط وجاءت الزيارة رغبة من نتنياهو ليعرض على السلطان قابوس اقتراحاته لإصلاح الشرق الأوسط وقد تم الترحيب بذلك" معبّرا عن رأيه بأن عملية السلام ليست مغلقة كما يراها الأخرون مشيراً إلى أن عُمان تلعب دور المُيّسر وليس الوسيط بين الأطراف المتنازعة.  إن هذا الظهور الإعلامي العلني واستسهال الأمور يدل على "تغيير الخطاب العربي السياسي وتحويله من خطاب جماهيري مقاوم للوجود الإسرائيلي إلى خطاب استسلامي مهادن" وهو أحد الأهداف التي تريد إسرائيل تحقيقها من عملية التطبيع. 

 

مشروع الشرق الأوسط الكبير يهدف للتغيير في الثقافة العربية التي تصفها أمريكا "معادية" لها ولإسرائيل، وهو ما طلبه في وقت سابق أرئيل شارون بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصلحة الإسرائيلية

على غرار هذه الزيارة الإسرائيلية، استقبلت الامارات العربية المتحدة فريق الجودو الإسرائيلي بعد تهديد الاتحاد الدولي للجودو بإلغاء المسابقة إذا لم يسمحوا بمشاركة أعضاء الفريق الإسرائيليين في البطولة المقامة في الإمارات. وبعد فوز الفريق بالمدالية الذهبية عُزف النشيد الإسرائيلي للمرة الأولى في أبو ظبي بوجود وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميري ريغيف التي عبرت عن فرحتها برفع العلم الإسرائيلي وعزف النشيد. حسب مسؤولين إسرائيليين فإن هذا الحدث يعتبر خطوة أخيرة في سعي إسرائيل للتقرب من الدول العربية. فهل تعتبر هذه الزيارات مُبلورة لتحقيق مآرب النظرية الأمنية الإسرائيلية؟ وهل تناسى العرب ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق باراك "الصراع مع العرب هو صراع وجود“؟  إن أحد أهم الأهداف التي تريد إسرائيل تحقيقها هو عزو ثقافي وإعلامي للمجتمعات العربية "مما يهدد الوجود العربي والعقيدة العربية".

 

ويوم السادس والعشرين من اكتوبر، استقبلت قطر وفداً رياضيّاً مكوناً من ثمانية لاعبين أحدهم ضابط في الجيش الإسرائيلي للمشاركة في بطولة الجمباز الإيقاعي. لا تعتبر هذه الاستضافة الأولى في قطر فقد استقبلت خلال الفترة (٢١\شباط- ١\آذار ٢٠١٨) فريقاً إسرائيلياً للمشاركة في بطولة العالم المدرسية لكرة اليد حيث حاز الفريق الإسرائيلي على الميدالية البرونزية.

 

ردة الفعل على هذه الزيارات داخل المجتمع القطري تمثلت في رفض مجموعة شباب قطر ضد التطبيع هذه الزيارات حيث دشّنت هاشتاغ: #التطبيع_مرفوض_في_قطر على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب فيها بوقف التطبيع المباشر وغير المباشر مع إسرائيل، متخوفةً من أن يمهد الاستقبال الرياضي  لمنفذ رسمي يتيح تطبيع الحكومة القطرية مع الحكومة الإسرائيلية آملين أن يُؤخذ تخوفهم على محمل الجد من قبل الحكومة.

 

واستكمالًا لنشاطاتها نظّمت المجموعة ندوة خاصة بالتعاون مع نادي فلسطين في معهد الدوحة للدراسات العليا أثارت فيها عدة محاور أهمها دور الأزمة الخليجية في تطوير العلاقات الإسرائيلية الخليجية ووسمها بالمألوفة والطبيعية بعد بروز التفتت الخليجي إبّان حصار قطر. وبهذا الخصوص كانت الدعوة لاستمرار منهجية التوعية ورفض الأجيال العربية التطبيع مع عدوها (إسرائيل). وانتقد الحضور بشدة ما آل إليه الوضع العربي في الآونة الأخيرة، فهو ترجمة فعليّة للأبعاد الحقيقية المراد تحقيقها من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد الهادف لقبول إسرائيل ووجودها.

 

أثارت هذه الزيارات الدبلوماسية والرياضية لبعض دول الخليج العربي تساؤلات هامة فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي على وجه العموم، والقضية الفلسطينية بشكل خاص لا سيّما أنها لم تعد القضية الأهم لدى العرب حيث يرى الفلسطينيون بأن الهرولة الخليجية للتطبيع مع إسرائيل غير مسبوقة ولا سيّما أن المبرر الأقوى-حسب بعض المحللين- لتراجع الاهتمام في فلسطين وقضيتها هو الانقسام الداخلي الفلسطيني " الضعف الفلسطيني الناجم عن استمرار الانقسام جعل قدرة الفلسطينيين ضعيفة في ثني العرب عن تطبيع علاقاتهم مع إسرائيل".

 

حسب محللين سياسيين يمكن النظر لما يحدث بالرجوع إلى التاريخ، فمشروع الشرق الأوسط الكبير يهدف للتغيير في الثقافة العربية التي تصفها أمريكا "معادية" لها ولإسرائيل، وهو ما طلبه في وقت سابق أرئيل شارون بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصلحة الإسرائيلية. وهنا يمكن الاستشهاد بما قاله الكاتب البريطاني باتريك سيل سابقاً "من المفيد أن نتصور ما يدور في ذهن أريل شارون فهو يحلم بإعادة تشكيل الوطن العربي بصورة تخدم مصلحة إسرائيل، فهو يريد تحقيق أمل نهائي بإقامة دولة فلسطينية واستمرار التقدم نحو إسرائيل الكبرى، وذلك بضم معظم الضفة الغربية إن لم يكن كلها، ومضاعفة بناء المستوطنات وطرد أعداد كبيرة من الفلسطينيين والاضعاف المستمر للدول العربية، كل ذلك في سبيل الهيمنة على العالم العربي". وكما يبدو فإن كل رئيس جديد لإسرائيل يحذو حذو سابقيه بالعمل على تحقيق أمكن ما يمكن من مشروع الصهيونية.

 

يبدو أن قراءة العلاقة العربية – العربية ، والعربية – الفلسطينية، والعربية – الإسرائيلية تدور اليوم حول مأزق  "التفتت العربي" الذي تسببه إسرائيل بتوظف قواها لحفظ أمنها بتوطيد علاقات معلنة وغير معلنة مع دول عربية سبق لها أن آمنت بالوحدة العربية، يقول الباحث خالد وليد "إسرائيل غير قادرة على حسم صراعها مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً بالوسائل العسكرية، وعليه فإنه اقصى ما تستطيعه، هو توظيف قوتها للحفاظ على الوضع القائم بكل ما ينطوي من أفضليات ومكاسب مادية وأمنية، وليس بالضرورة أن تدخل إسرائيل في حروب جديدة ولكنها بالضرورة ستشترك بقوة في صنع السياسات العسكرية في المنطقة من منطق يحفظ أمنها ووجودها".

 

نزع القوميّة العربية وتفتيت الوطن العربي مسعى إسرائيلي لجعل الاهتمام بالقضايا المصيّرية التي تخص المواطن العربي مُهمَلة ومنسيّةنزع القوميّة العربية وتفتيت الوطن العربي مسعى إسرائيلي لجعل الاهتمام بالقضايا المصيّرية التي تخص المواطن العربي مُهمَلة ومنسيّة
 

أضف إلى ذلك أن ما آمنت به الأدبيات والمشاريع الإسرائيلية هو أن الوحدة العربية عقبة أمام عملية السلام في الشرق الأوسط وقديما قال الكاتب الصهيوني الانتماء ف.جرفاسي " القوميّة العربية بالوحدة العربية هي العقبة الرئيسية أمام السلام بين الدول العربية وإسرائيل وإن الوحدة العربية لا تجد لها سنداً في التاريخ العربي وإنها كانت الاستثناء لا القاعدة وما من شيء قسم الوطن العربي مثل الإصرار على توحيده" فهل ما يحدث من زيارات بدت عادية ومرحب بها يعبر على وجه الخصوص عن انحدار القوة العربية وانهزام وحدتها بشكل غير مسبوق؟

 

نزع القوميّة العربية وتفتيت الوطن العربي مسعى إسرائيلي لجعل الاهتمام بالقضايا المصيّرية التي تخص المواطن العربي مُهمَلة ومنسيّة، كما أنها بتلك الزيارات تفرض تفوقها بإحرازها قبولاً وترحيباً على حساب التضامن العربي والوحدة العربية وهو ما يمهد أكثر وبشكل علني بجعل إسرائيل قوة عسكرية سياسية واقتصادية في المنطقة.

 

التقويض الجغرافي والسياسي الذي شاركت إسرائيل فيه في الوطن العربي على مر التاريخ وحتى يومنا هذا، يمحو فكرة الأمة العربية الواحدة -وان كانت حلماً- ابتداء من الاستهزاء بنا كأمة عربية وصولاً لإنكار لغتنا، انتهاء بالشعور بالهزيمة والقهر الذي يُخلق في كل عربّي يشاهدُ ما يحدث ويدرك تماماً أن الأمر لا ينتهي هنا، بل يصل لاندثار النظرة الإسرائيلية للوطن العربي على أنه عقبة تهدد إسرائيل كونه أصبح مناخاً جيداً يحقق لها مشاريعها ويحميها أمنيّاً وخصوصا في ظل الصراعات العربية الداخلية، والأزمة الداخلية الفلسطينية، والأزمة الخليجية

 

وهنا أشير لقول يناسب ما نشهده اليوم  لكاتب الصهيونية نسيم رجوان في كتابه "من الفكر الصهيوني" وفي الوقت نفسه فإن الكارثة الفلسطينية وإنشاء إسرائيل دولة ديناميكية على طراز غربي في وسط العالم العربي كانت ضربة شديدة القسوة للكبرياء والاعتزاز العربي فكان لا بد من القوميّة الضيقة والتطرف والتعصب من احراز نصر محتوم، وما لبثت بأفضل أصوات العقل والاعتدال أن صمتت وبالتعسف والتحكم غالباً وسادات روح التأثر ولم يعد يرضى بما هو أقل من وحدة عربية شاملة وشرق أوسط عربي بكامله واليوم بعد ربع قرن من الإضرابات والصراع هناك دلائل تشير إلى أن الفترة العنيفة من البعث العربي قاربت على نهايتها".