شعار قسم مدونات

الغربة.. ملاذ الأجساد الخاوية!

مدونات - الغربة سيدة تجلس تنظر

يأخذنا موضوع الغربة بعيدًا إلى حيث التعب المُرتمي بأروِقة شعورنا يطبطب علينا.. يواسينا، نحن في الغربة أطباء وفلاسفة وحتى علماء فلك، فيا صديقي هل تأملت يومًا إنسانًا يحمل كل شيء داخله لكن مظهره كجملة ضاعت منها كلمة سهوًا فاختنق السطر، آه كم يذكرني هذا بما قاله مريد البرغوثي: "الغربة كلها شبه جملة، الغربة شبه كل شيء". حينما تسير وحدك في مدينة غريبة سحرتك بأجوائها الغريبة حتى برود طقسها واختلاف سكانها لا يعنيك، فأنت في أول أيامك كعاشق ارتشف نظرة أولى من فتاة جميلة أربكته، فتلعثم لسانه عن قول ما تنبض به جوارحه، لم يدرك أنه سيتحول إلى فيلسوف يجوب الطبيعة وحيدًا منهمكًا في البحث عن إشارات تُشبه حقيقته الضائعة، وربما لن يختلف عن الشاعر الذي يلجأ إلى وصف كل ما تقع عليه عيناه بتفاصيل محبوبته ومعذبته.

ستُروضك الغربة، تفتِك بعِنادك فأنت جلاّد نفسك وطبيبها كذلك، فهل ستندم على مُغادرتك للوطن؟ أم ستضع ضِمادًا على جُرحك العميق، تُسكّن آلامك ببضع حروف وأجزاء من كلمات غير مفهومة تُهلوس بها على فراش الذكرى، حسنًا.. لن يتبقى لك إلا أن تنظر نحو السماء تراقب النجوم وبزوغ القمر.. تبعث برسائل وحكايات طويلة جدًا، ستتحول فجأة إلى عاشق للكواكب ومجراها. نعم.. الأمر ليس بسهل فأنت كمن يتجرّد من ماضيه، كمن يختلس حفنة من تُراب أجداده يدسُّها في جيبه آملا أن يتجرّع عطرها حين اشتياق، ببساطة شديدة الغُربة لا تُشبه شيئًا لكنها تتحالف مع كل شيء فقط كي تذكِّرك بجريمتك، تجردك من براءتك فأنت لم تخذل عشيقتك أو تخنها مع جميلات أخريات لا وألف لا، بل خُنت الأم، القلب الذي يسع الجميع ولم يستطع أن يسعه أحد فهل عرفت الآن عذاب الوطن الذي نحمله في حقائبنا حينما نرحل بشغف يوهمنا أن الحياة ها هناك أكثر انصافًا.

اغترب إن كان ذلك ملاذك، لكن لا تنسى أن تأخذ حقيبة أخرى تسع الخيبة، اشترِ دفترًا صغيرًا وقلم رصاص بممحاة.. دوِّن يومياتك الأخيرة في وطنك الحقيقي، ولا تنسَ التفاصيل.. أُكتبها وضع تحتها خطين أو ثلاثة، بعد أن تُكمل هذا الواجب ارحل مُلقيًا نظرة أخيرة. ستنبهر في الأيام الأولى، حتى أنك قد تتخلص من حقيبتك وصورك الباهتة، لكن إياك أن ترمِ ذاك الدفتر، ستحتاجه عندما يصفعك الحنين، حينما تتجمد أطرافك وما من يد دافئة تربِتُ على كتفك، ما من صوت حنون يهمس في أذنك: "أنا هنا"، حتى رائحة طبختك المفضلة وعطر الورود في بستان الجيران وصراخ أطفال الحارة، كلها ستتحول إلى جنة تشتهي الرجوع إليها ذات نهار.

انطلق واكتشف هذا العالم إن استطعت، غامر وتمرّد لكن في حدودٍ دون إسراف في الأوهام، أُرسم لنفسك خريطة للمستقبل، لكن دائما أُترك الطريق مفتوحا للعودة، لا تقطع الحبل مهما كان ضعيفًا

فهل ستتمكن من أن تمحُ الماضي وتتخلص منه، تكتب مكانه يوميات الغُربة، لا يا صديقي لن تنجح فتلك الأسطر ستواسيك، ستحفظها خوف أن تضيع في زحام فوضاك، ستُرددها على مسامعك كل صباح، قد تراها في منامك، وربما ستحبها أكثر من عشيقتك، ستخون هذه الأخيرة مع سطر أو جملة، فيا خيبتها حينما تهجرها مهما تجملت أو توسلت، فكل الخيانات مباحة في سبيل الوطن. 

لم أكتب عن الغُربة متنكرا أو متشددا، فهذا اختيارنا قد نجد فيه النجاح والحب والحرية، لكن دائمًا سنشعر بالنقص أو الأصح بالضياع والخوف، ابتسامتنا يتخللها دموع، فرحتنا يتخللها حزن، تأملنا يتخلله شُرود حينما نلبس أجمل الثياب ويرانا الجميع بكامل الأناقة، لكن ستبقى أجسادنا عارية من الحقيقة الوحيدة في هذا العالم وهي الوطن، فحاول أن تحمله في قلبك حتى لا تُصاب بوعكة انتماء.

لكل شخص منا حلم عالق، أمنية تائهة أو طموح عنيد، لكننا في فترة ملل أو فشل أو حتى خيبة عابرة نتحول إلى غرباء نتمرد على ذواتنا طمعًا في إيجادها من جديد في مكان آخر من هذا العالم كأن نتجاهل حقيقتنا، فنحن بما نحمله من مشاعر وأفكار وليس بما نحمله داخل حقائبنا أو داخل جيوبنا، قد لا نكتشف ذلك مبكرًا أو قد لا نكتشفه أبدًا وذاك أقسى الضياع.

انطلق واكتشف هذا العالم إن استطعت، غامر وتمرّد لكن في حدودٍ دون إسراف في الأوهام، أُرسم لنفسك خريطة للمستقبل، لكن دائما أُترك الطريق مفتوحا للعودة، لا تقطع الحبل مهما كان ضعيفًا فمنه تقوى وتنضج، ابحث عن أحلامك في كل الزوايا لا تتجاهل التفاصيل مهما كانت مملة، حاول تحقيق الأعقل منها، لا تتجرد من مشاعرك أو تتنكّر لقلبك أو تنفِ عواطفك، جرّب الوجع، ابحث عن العلاج في داخلك، ساعد غيرك مهما كان عُمق ألمك، لا تجرح أحدًا أو تُلبسه وعودًا، قد تقتله حينما تقرر أن تعود أدراجك، لأنك ستقتنع في كل جلسة حنين مع ذاتك بأن الوطن هو الداء والدواء، هو الحبيب والعشيق والملاذ الأخير، هو الجمال وأول الدهشة، كن حرًا يا صديقي ولا تجعل من الوطن سجنك، كما لا تجعل من الغُربة ملاذك.