اهرب.. سيقتلك الإعجاب الزائف والتصفيق المنافق!

BLOGS الجري

حين تكون داخل الصندوق، ستصبحُ ما لا تريد أن تكون دون رضاك التام، ستسمع أجمل أنواع المدح والإعجاب، سيفخرون بك، ويمضون في حياتهم دون أن يلقوا بالًا لكلّ ما تطمحٌ إليه، سينامون في نهاية النهار، وينسون ما قالوه لك، ويأتون في الصباح يبحثون عما يشبههم بك، ويجدون، وتستمرّ الأيام بمضيّها على هذه الطريقة، وتجدٌ نفسك في نهاية الأمر واقفًا أمام أمواجٍ عالية كبيرة يجب عليك السباحة بها، وقد تذكرت في هذه اللحظة أنّهم قالوا أن السباحة لن تفيدك، "يا رجٌل، ما الذي تجنيه بعد تعلمك للسباحة؟" بصوتٍ وضحكاتٍ ساخرة!

الموجة تقترب، وأنت ما زلت واقفًا لا تعرفُ مصيرك الأخير بعد تلقيك ضرباتها وارتطام الماء بوجهك الذي يقفٌ دون غطاءٍ يحميه، وجسدك الذي تصلّب في مكانه ولا يستجيب لك، كما لو كنت تحاول قلع شجرةٍ معمرةٍ من أرضٍ قد مدّت جذورها بها، رغم أنّ الأرض تحتك في الأصل غير رطبة، وباردة، ولا تصلح لزراعة شتلة، فكيف لها أن تزرع إنسان؟ 

ما من حياةٍ يعيشها أصحابها إلا يواجهون الموج، وما الموج إلا تجاربك التي خُضتها وحدك، كلّ الذي تعلمته، كلّ الذي بكيت منه، ولأجله، وبسببه، كلّ الغصّة الذي كتمتها في قلبك خوفًا من أي يطلق عليك شخصٌ ما لقب الضعيف، وأنت لم تخض كلّ هذه المعارك، ولا تعرفُ في حياتك إلا إرضاء الناس بما يريدون زرعه فيك، فكيف ستخوض غمار معاركك الخاصة؟ لتكون أنت خاصًا، وتملك حياتك الاستثنائية التي لا تشبه أحدًا بها. أرأيت؟ لن تستطيع اللحاق بركب الطيور المهاجرة، لأنّك بترت جناحيك خوفًا من ضحكاتهم، والتزمت الصمت في كلّ مرة، وخجلت من نفسك، وقلت، العالم كلّه لا يطير، لمَ عليّ أن أطير؟ أنت لم تتعلم السباحة، ولا القتال، ولا حتى الطيران، فما الذي تعلمته غير إرضاء الناس؟ وأنت تعرف حقّ المعرفة أن إرضاء الناس غاية لا تدرك!

لأن تبقى داخل الصندوق، الكثير ممن ماتوا لم يعرفوا معنى الحياة، ماتوا داخله، اخرج وانطلق حيثُ تريد في حدودٍ أنت تعرفها جيدًا ولا تتجاوزها، أنت صاحب قرارك

يعجبك الصندوق الآن؟ أم أنّك تشعر بفداحة الخطأ الذي ارتكبته بحقّ نفسك؟ لم يخلق الله الاصابع العشر متشابهة، خٌلقنا لنكون نحن، بكل ما نريد التفكير به، بكل ما نطمحُ إليه، بكلّ الذي نحمله في أرواحنا وقلوبنا وعقولنا! ما المانع في أن يختلف الناس في ميولهم وأذواقهم وأشكالهم وطرقهم وأساليبهم وقناعاتهم التي لا تؤذي أحدًا! دعني أقول لك، إن رأيت من أحدٍ ما يؤذيك، سأعطيك الحق في الدفاع عن نفسك، لا قانون في العالم يمنعك من ذلك، ولكنّك إن عٌدمت رؤيتك، ولم تجد في اختلافه ما يمسّك، فحقّي هُنا أن أتعجّب من خصومتك لي في الاختلاف!

أتعرفُ ما هو الاختلاف؟ إنّه اليقظة التي يملكها عقلك، نظرتك الفريدة للأشياء التي تصفك أنت فقط، والبعد عن التقليدية التي يمكن لأيّ كائنٍ كان التفكير بها، فهل ترضى أن تعيش عاديًا، وتموت عاديًا؟ إنّي أعرف في العالم الكثير من الناس، ولا أفهمهم، لكنّي أعلمُ تمامًا أنّ الذين خرجوا من الصندوق يملكون سلامًا هائلًا مع أنفسهم، ويستطيعون تقبّل الآخر كما هو دون أي اعتراض، ولا يحاولون تغيير العالم على طريقتهم إلا بالمنطق، دون إجبار!

إنّي أؤمن تمامًا أن تقبّل الناس لا يأتي إلا من تقبلك لذاتك، وفي اللحظة التي ستفعل ذلك بها، فأنت فهمت الاختلاف، وتقبلته بكلّ صدرٍ رحب دون تقليل شأن الناس. ألا تريد تحرير جناحك؟ لا داعي لأن تبقى داخل الصندوق، الكثير ممن ماتوا لم يعرفوا معنى الحياة، ماتوا داخله، اخرج وانطلق حيثُ تريد في حدودٍ أنت تعرفها جيدًا ولا تتجاوزها، أنت صاحب قرارك، تعرفُ كلّ الذي لك، والذي عليك، ولا ترغبٌ في أذيّة أحد، إنّك تبحث عن الشجرة المناسبة لتبني عشّك كعصفورٍ يملكُ جناحين، وتبحرُ بلا خوفٍ من علوّ الأمواج كما لو كنت سمكة، وتهربٌ من الصندوق الآن وتنطلق، كما لو كنت هاربًا من قنبلة موقوتة. سأقولها لك مرّة ثانية، مات الكثير وهم لا يعرفون الحياة، إنّ الصندوق مزدحمٌ وضيّق، حدد وجهتك ولا تخف، مهما خٌدشت أجنحتك ستستطيع الطيران حتمًا، اهرب بكلّ ما أوتيت من قوّة.. سيقتلك الصندوق!!