شعار قسم مدونات

اغتيال خاشقجي.. أما آن لنا محاربة نظام بن سلمان؟!

blogs خاشقجي

لا خلاف على أن اغتيال جمال هو جريمة سياسية بامتياز، ولا خلاف على أن موته بتلك الصورة كان محتوما، فما كان لمحمد بن سلمان أن يصبر عليه وهو الذي لم يصبر على من هم أقرب إليه، وأعلى مكانة منه، ألم يسجن الأمراء ويحتجز الوزراء، ورجال الأعمال؟ وكيف يصبر عليه، أو يغض الطرف عنه، وعيونه تنقل إليه يوميا ما كان يقوم به جمال من أعمال تهدف إلى معارضة سيّاساته في الداخل والخارج، وترمي إلى كشف خداعه، وتعرية زيف ما يدعيه للعالم، عبر ما كان يحرره من مقالات على صفحات الواشنجتون بوست، أو ما يدلي به من أحاديث للقنوات الفضائية، أو ما يسهم به في تنشيطه من ندوات، نعم إن نهايته كانت محتومة ومحسومة، فما كان لحاكم سياسي مستبد كابن سلمان أن يصبر على معارض نشط من وزن جمال.

ولا يعني أن الدول والقوم الذين اتخذوا من موت جمال سجلا تجاريا لمهاجمة السعودية، أنهم لم يتورطوا في جرائم سياسية مثل جريمة اغتيال جمال أو أبشع منها، فما من دولة في العالم، لم تعمد إلى تصفية خصومها داخل السلطة أو خارجها، إلى هذا النوع من الجرائم، ذلك ما يشهد به التاريخ الغابر والحاضر، فما الذي جعل جريمة اغتيال جمال تقيم الدنيا ولا تقعدها؟

يرجع ذلك إلى أنها ارتكبت بطريقة فجة وفاضحة دلت على أن من وراءها لم يجشموا أنفسهم أي جهد عقلي للتستر عليها حتى تمر دون أن تثير ضجة، تنبه الناس إليها، وتدفعهم إلى الاحتجاج عليها، وذلك لأن الذين خططوا لهذه الجريمة ونفذوها وقعوا في جملة من الأخطاء القاتلة وهي:

منهجية العمل والتنفيذ كانت لافتة للأنظار فالطريقة التي تنقل بها فريق العمل (خمسة عشر رجلا) إلى تركيا وانصرافه منها وتركيبته، يشي جميعه بطبيعة المهمة

* اختيار المسرح الخطأ لهذا الاغتيال البشع، حيث أن اختيار تركيا مسرحا لهذه الجريمة الفظيعة، كان خطأ قاتلا، بالنظر لكونها كان تعتبر السعودية قد تعاونت مع الانقلابيين، وأن ابن سلمان كان وراء الحرب المالية التي هوت بالليرة التركية، فضلا عن الترات القديمة بين الأتراك وآل سعود، فتركيا لا يمكن أن تنسى أن آل سعود تعاونوا مع التاج البريطاني للإطاحة بخلافتهم، فكأن ابن سلمان باختياره تركيا مسرحا لهذه الجريمة النكراء، قد هيأ الفرصة للأتراك ليثأروا منه ومن راعيه دونالد ترامب، ومن آل سعود جميعا، بطريقة مريحة جدا، وشرعية تماما.

* اختيار القنصلية بالذات مكانا لتصفية جمال، هو الخطأ القاتل الثاني الذي تورط فيه مخططو ومنفذو هذه الجريمة، لأنهم انتهكوا اتفاقية دولية، وخالفوا أعرافا دبلوماسية، تقضي بتنزيه هذه المؤسسات عن مثل هذه الجرائم.

* منهجية العمل والتنفيذ كانت لافتة للأنظار فالطريقة التي تنقل بها فريق العمل (خمسة عشر رجلا) إلى تركيا وانصرافه منها وتركيبته، يشي جميعه بطبيعة المهمة، وأنها تمت برعاية أعلى السلطات في السعودية.

* الطريقة التي تم التخلص بها من الجثة، كانت جد صادمة، ودلت على سادية من أمر بها ونفذها. 

* محاولة تمرير ترامب للجريمة التي ارتكبها بن سلمان كانت من وراء تأليب الرأي العام الدولي على النظام السعودي، لأنه فضح تعويل ابن سلمان على راعيه ترامب للتغطية على هذه الجريمة الشنعاء.

* سوء اختيار التوقيت لتنفيذ هذه الجريمة، ففي الوقت الذي شرعت الأمم المتحدة، والجمعيات الحقوقية، وكثير من الدول، تعلن عن رفضها لما يجري في اليمن واتهام دول التحالف وعلى رأسها السعودية والإمارات بارتكابهما جرائم ضد الإنسانية فيه، جاءت هذه الجريمة لتكشف عن مدى استهتار آل سعود بالقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية والأخلاق الإنسانية، فكانت بمثابة الصاعق الذي فجر ما اختزنته القلوب ضدهم من أحقاد، كل هذه السنين التي عاثوا فيها فسادا في الأرض.

وإذن فإن اغتيال جمال على هذه النحو الفظيع، هو الذي ألهم الرجال في العالم أجمع ليرفعوا صوتهم ضد نظام آل سعود، وجعل شعوب العالم تطالب دولها أن تتوقف عن التعاون مع السعودية، وهو الذي سيضغط على آل سعود، ويحملهم على مراجعة سياساتهم التي أضرت بهم وبشعبهم، والإطاحة ببن سلمان واستبداله بمن هو أقل تهورا واندفاعا، وأدرى بمداخل السياسة، وما تحتاج إليه من لباقة وكياسة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.