هل المطالعة هواية شعبوية أم ممارسة تخصصية فاعلة؟

blogs القراءة

وأنا أتجول في أجنحة المعرض الدولي للكتاب في الجزائر والذي يقام كل عام لفت نظري أن مرتادي المعرض طرائق قددا وأصناف شتى، فمنهم من جاء لقتني كتبا ويطلع على كل جديد في عالم الكتاب ليشق طريقه بعد ذلك مع قرءات واعية أو مع مشروع بحثي، وصنف آخر مهووس بحشد الكتب وجمعها، يسعد بطبعة جديدة ومنقحة لكتاب ديني، أو بصدور نسخة جديدة لكتاب هو بالأساس يمكنه اقتناؤه من أي مكتبة في مدينته دون أن يتجشم عناء القدوم إلى أروقة المعرض، وصنف ثالث هو صنف فضولي جلبه البريق الإعلامي للمعرض وكذا الجلبة وعرقلة السير الي أحدثها هذا الحدث وإن كان في قرارة نفسه لا يعلم لماذا أتى بالأساس.

في الجانب الآخر في معادلة العرض والطلب يقف عارضوا الكتب الذين تفاوتت أنصبتهم من المرتادين المذكروين آنفا، والملاحظ أن صنفا منهم جاء ليبيع كتبا بطبعات تجارية يعوزها التجديد إن كانت من الكتب الحديثة، أو يعوزها التحقيق العلمي إن كانت من كتب التراث، إلى جانب أن الكتب المترجمة منها تعوزها الترجمة التي تشوه معانيها وتفسد أصالة أفكارها، وبين صنف جاء ليقدم دراسات تتسم بالجدة والعمق وفي ذات الوقت يجتني ربحا من عصارة الأقلام التي وضعت ثقتها في دار نشره واستأمنته على أفكارها.

القراءة لو كانت حقا سلوكا عاما في دولة الإسلام كما يتبادر إلى الأذهان لما فقدت الكثير من الكتب ولوجدت لهذا مثيلات في مناطق لم يطلها الغزو

بين هذا وذلك رحت أتأمل الكتب، هل نحن بحاجة حقا إلى كل هذه الكتب؟ ما الذي ينقصنا من المعرفة والعلم حتى نعود كسالف عصور الرقي والازدهار ونؤدي دورنا في الشهود الحضاري؟ أذكر ذلك وأنا أفكر في كتب أصحاب المشاريع الفكرية التي تبنت الخيار الحركي الإسلامي مثل كتب مالك بن نبي والأفغاني والكواكبي وسيد قطب والبوطي ومحمد الغزالي، أو التي تبنت الخيار السلفي الإسلامي ككتب الألباني وابن العثيمين وابن باز، أو حتى التي تبنت المشروع الحداثي التنويري ابتداء برفاعة الطهطاوي وسلامة موسى وطه حسين وصولا إلى محمد أركون ونصر أبو زيد وطيب تيزيني وغيرهم، لماذا لم تغن عنا هذه الكتب شيئا رغم كثرتها وكثرة الدراسات التي حللت أفكارها تحليلا دقيقا وبينت جوانب الصواب فيها ومكمن الخلل والعور الذي قد يعتريها.

خطر في بالي أن حضارة الإسلام في عصور رقيها لم تقم على مثل هذا العدد الهائل من الكتب، بل قامت على كتاب وسيط الحجم ألا وهو القرآن الكريم، الذي عاب الأمم السالفة عدم انتفاعها بموروثها المكتوب في قوله تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"، في حين أن أتباع القرآن الكريم من الصحابة والتابعين انطلقوا من القليل المدون عندهم من نصوص القرآن والحديث ليرسوا معالم حضارة إسلامية كان أصحابها قبل ذلك قوما أميين خارج الدورة الحضارية. كذلك النهضة الأوروبية لم تقم على مثل هذا العدد الهائل من الكتب، بل قامت بالأساس على جملة من الأبحاث نتج عنها بعد ذلك جملة من وسائل الحضارة التي لم تغيّر الحضارة الأوروبية فحسب بل غيّرت العالم بأسره.

عندها جال في خاطري كلام نقله جودت سعيد عن توينبي: "إن ارتفاع نسبة قرّاء الكلمة المطبوعة هو الأساس الحضاري لتصنيف البلدان في العالم إلى دول متخلفة أو نامية أو متقدمة"، ولكن هل القراءة التي تؤدي إلى رقي الأمم فعل شعبوي إلى هذا الحد وفقا لما ذكره توينبي؟ أم أن القراءة التي تساهم في نهضة الأمة هي فعل تخصصي؟ خاصة وأننا لا نرى القراءة فعلا اجتماعيا في الحضارة الغربية وبالأخص مع ظهور شبكات التوصل الاجتماعي التي أثرت تأثيرا سلبيا وعالميا على مقروئية الكتاب الورقي.

بقي هذا التساؤل يجول في خاطري حتى عثرت على نص لأستاذ النقد الثقافي عبد الله الغذامي حينما أراد أن يعلل سبب ندرة المخطوطات في تاريخ الإسلام وأن هذه الندرة لا يمكن أن يعلل بحرق المخطوطات في الغزو المغولي أو غيره، لأن القراءة لو كانت حقا سلوكا عاما في دولة الإسلام كما يتبادر إلى الأذهان لما فقدت الكثير من الكتب ولوجدت لهذا مثيلات في مناطق لم يطلها الغزو، ليخلص في الأخير قائلا: "والذي يُقرر مصير التقدم في أمة من الأمم ليس هو وجود ملايين البشر ممن يقرأون ويكتبون، ولكنها فئة قليلة تجيد هذا الدور وتتمكن منه تمكناً إبداعياً وعلمياً وهي التي تقود الأمة للتقدم".

القارئ في عالمنا العربي ليس هو صانع القرار، لذلك تجده إما أستاذا أو موظفا أو طالب علم أو ناشطا اجتماعيا، في الوقت الذي اقتحم فيه غير القراء مجال السياسة والاقتصاد وصنع القرار
القارئ في عالمنا العربي ليس هو صانع القرار، لذلك تجده إما أستاذا أو موظفا أو طالب علم أو ناشطا اجتماعيا، في الوقت الذي اقتحم فيه غير القراء مجال السياسة والاقتصاد وصنع القرار
 

أحسست من كلام الغذامي أنه أجاب على سؤالي، فكثيرا ما كنت أصادف من يتشدق ويفتخر علينا بأنه يقرأ الكتب بمعدل يفوق المئة صفحة في اليوم فإذا نظرت إلى أثره في واقعه تجده لا يكاد يكون شيئا مذكورا، بل أحيانا تجد أنه على نقيض ما يقرؤه في الكتب إنسان منبهر بما يقرأ دون أن يحدث فيه ذلك الانبهار انتفاضة على واقعه ليغير فيه ما استطاع؛ أو ينال على أقل تقدير شرف المحاولة، فالإشكال الحقيقي ليس في كمية القراءة ولا في كمية القراء، بل السؤال الأهم يكمن في لماذا نقرأ؟ ومن الذي يمارس دور القارئ.

 

فالقارئ في عالمنا العربي ليس هو صانع القرار، لذلك تجده إما أستاذا أو موظفا أو طالب علم أو ناشطا اجتماعيا، في الوقت الذي اقتحم فيه غير القراء مجال السياسة والاقتصاد وصنع القرار، وهذا من معالم الشرخ الهائل الي نراه في عالمنا العربي اليوم بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية، وحتى إن وصل المثقف إلى دواليب صنع القرار أو اقترب منها فإن أول مطب يقع فيه هو مطب "خيانة الأفكار" فتصير مطالعاته عبئا يثقل كاهله فلا يسعه إلا أن يتنكّر لثقافته ليحافظ على مكانته ووجاهته.

 

وفي أحسن الأحوال يخرج المثقف من عباءة السياسة من الباب الضيق ليرى أفكاره وأفكار غيره ممن تتلمذ على كتبهم حبيسة الرفوف والمعارض، وبين هذا وذلك تبقى الشعوب مترقبة لغد أفضل بين ثلاثة أصناف من القادة: مثقف بعيد عن دوره الريادي، ومثقف خائن لأفكاره، وسلطة بعيدة عن الثقافة تسيرها في الغالب إرادات خارجية، تضع على رأسها خيرة قادتها وتستفيد من مثقفيها، وتهيمن في ذات الوقت على العالم المتخلف لتضع فيه من يتوافق مع سياساتها ويساهم في تحقق مشاريع مثقفيها على أرض الواقع.