عودة اللاجئين.. ما الذي يعنيه رجوع المنفي إلى المنفى؟

blogs لجوء

"عودوا إلى حضن الوطن".. بهذه الكلمات يختصر النظام السوري عبر وسائل إعلامه وتصريحات مسؤولية أزمة اللجوء لشعب عانى من القتل والتهجير زهاء تسع سنوات. وهو -أي النظام- إذ يمد يداً حانية إلى أولئك الذين فروا بحياتهم وأحلامهم من دمار لم يبق ولم يذر، فإنه يمد يده الأخرى ليسدل الستار عن آخر فصول ثورة شعب ولجت صدوره نسائم حرية بعد أن كان القهر يخنقها، وأبصرت عيونه بشائر أمل بعد أن كاد اليأس يعميها.

ولا يخفى على أحد كيف أن أزمة لجوء السوريين قد تصدرت المشهد في الآونة الأخيرة وأصبحت الشغل الشاغل لأصحاب القرار والدول الفاعلة في أروقة السياسة الدولية، حتى يخال للمراقب أن حل مسألة اللاجئين وإعادتهم إلى وطنهم من وجهة نظر الدول الفاعلة أصبح أكثر إلحاحاً من الحل السياسي نفسه.

ولا أجد في ذلك غرابة، إذا ما علمنا أن هذا الملف -أي ملف اللجوء- هو القاسم المشترك الوحيد الذي اجتمعت حوله القوى الفاعلة على الساحة السورية، تلك القوى التي طالما فرقتها أهداف وحسابات متناقضة ومعقدة، اختلفت فيما بينها على كل شيء وفي كل شيء، لكنها اتفقت مع النظام وداعميه على تفريغ أزمة اللجوء من محتواها الإنساني وإضفاء صبغة سياسية في تعاطيها مع هذا الملف الشائك وفقاً لما تقتضيه مصالحها واستراتيجياتها.

هتافات السوريين التي صدحت بها حناجرهم، وصرخاتهم التي فاضت بها أرواحهم، ودموعهم التي غصت بها مآقيهم كانت ترنو لوطن حر يحلمون به، يحضنهم ويقدس إنسانيتهم

وفي خضم هذا التعقيد الذي يكتنف سوريا ومستقبلها كدولة وطنية، يقف ملايين السوريين مترقبين وحائرين بين عودة لمنفى قدري أو بقائهم في منفى اختياري. أقول منفى قدري لأن سوريا لم تكن وطناً للسوريين، ولا السوريين أنفسهم كانوا مواطنين، فالأرض والسماء والماء والهواء ملك لعائلة توزع شهادات المواطنة وامتيازاتها على الموالين المخلصين المطيعين الخانعين، بينما توزع شهادات الوفاة على من سواهم.

ولهذا فإن مفهوم الوطن والمواطنة لم يكتب له أن يستقر في وجدان السوريين وضمائرهم. ذلك أن العقد الاجتماعي الناظم لعلاقة الشعب مع السلطة والذي يشكل أساساً ومرتكزا في بناء الوطن وترسيخ المواطنة، كان قد انفرط في أواخر ستينيات القرن المنصرم تزامناً مع تعاظم نفوذ حزب البعث وسيطرته على مفاصل الدولة وما رافق ذلك من تغيرات بنيوية عميقة طالت النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لبلد كان يرزح أصلاً تحت وطأة حقبة استعمارية فرنسية تبعتها عقود من غياب الاستقرار السياسي.

وقد كان في ظهور الربيع العربي فرصة ذهبية لإعادة تشكيل وعي الشعب ورؤاه اتجاه مفهوم الوطن والمواطنة على وجه الخصوص، وأجزم أن السوريين خلال تظاهراتهم الأولى كانوا على درجة عالية من التماهي الطوباوي مع ذلك المفهوم وما يستحضره من قيم نبيلة صادقة.

فهتافات السوريين التي صدحت بها حناجرهم، وصرخاتهم التي فاضت بها أرواحهم، ودموعهم التي غصت بها مآقيهم كانت ترنو لوطن حر يحلمون به، يحضنهم ويقدس إنسانيتهم. وطن يطعمهم من جوع ويآمنهم من خوف. وطن يفخرون به ويعتزون بالانتماء إليه، ولسان حالهم يقول "لا نريد منفى ولا نريد أن نكون منفيين، بل نريد وطنا نكون به مواطنين".

عودة اللاجئين أضحت حتمية وأن الخلاف على توقيتها لا يفسد لها قضية. وأما السوريون الذين اكتووا بنيران منافيهم التي التجأوا إليها سيعودون عاجلاً أو آجلاً إلى منفاهم القدري (سوريا)
عودة اللاجئين أضحت حتمية وأن الخلاف على توقيتها لا يفسد لها قضية. وأما السوريون الذين اكتووا بنيران منافيهم التي التجأوا إليها سيعودون عاجلاً أو آجلاً إلى منفاهم القدري (سوريا)
 

ولما كان ذلك وكان الواقع المطروح أن الثورة شهدت انحسارا منذ التدخل الروسي في الأزمة السورية ناهيك عن المواقف المترددة للدول الغربية التي غطت تقدم النظام أو غضت الطرف عنه، فقد عادت سوريا إلى نقطة الصفر أو دونها، وتبخر أو تأجل حلم الوطن وحلم المواطنة وأضحى أقصى ما يحلم به جل السوريين عودة لسوريا المنفى لا سوريا الوطن، ليعيشوا في جنباتها منفيين لا مواطنين.

وقد لا أذيع سراً حين أقول أن الدول الفاعلة على الساحة السورية قد اتخذت قراراً منذ أمد ليس بالقريب بضرورة عودة اللاجئين إلى ديارهم. عودة لا تراعي إلا مصالحها ولا تتماهى إلا مع أهدافها غير المعلنة. فبعد أن رُميت الأوراق واحترقت لم تبق على طاولة المفاوضات إلا ورقة اللاجئين، وهي ورقة ثمينة لأنها الأخيرة. ورقة تتجاذبها الأطراف بلا رحمة ولا هوادة. فروسيا ومن ورائها إيران والنظام يدفعون باتجاه عودة سريعة للاجئين أملاً منهم بالضغط على الدول الغنية للمساهمة في إعادة الإعمار وتحييد الانتقال السياسي. في حين ترفض الولايات المتحدة ومعها دول الاتحاد الأوروبي البدء بإعادة الإعمار قبل إنجاز حل سياسي يضمن نفوذاً مستداماً لهم في ظل تغول النفوذ الروسي في المنطقة.

الثابت الوحيد في تلك المعادلة المليئة بالمتحولات أن عودة اللاجئين أضحت حتمية وأن الخلاف على توقيتها لا يفسد لها قضية. وأما السوريون الذين اكتووا بنيران منافيهم التي التجأوا إليها سيعودون عاجلاً أو آجلاً إلى منفاهم القدري (سوريا)، متسلحين بمقولة "لا يأس مع الحياة" و"ما ضاع وطن وراءه محب"، ومن يدري قد يصبح المنفى وطناً وقد يستحيل المنفي مواطناً.