السعادة في راحة البال

BLOGS تفكير

بات من الكاشف أن ديناميكية الحياة ومشاغلها تسلب الإنسان متعة تذوّق جمالية اللحظة، فينخرط في صراع وتجاذب مع الآخر ويصنع منه بفضل مفاهيمه المتحجّرة عدوا وينفخ فيه فنّ التحادث والجدال ويحفّز فيه روح القتال ويحوّله إلى خصم حقيقي لأجل لا شيء.

 

تتوالى الأيام وتشتدّ الصراعات والأحقاد وتحتدّ تصبح تكتلات وأحزاب ومجموعات تمارس العنف اللفظي والتلاسن والتراشق بالكلمات. في هذه اللحظات تتحرك كتائب خلفية رويدا رويدا تحرّك المواقف وتزرع النميمة وتحثّ العزائم خلف الأسوار بعيدا عن الأنظار قصد شحن الهمم وتسخين الأجواء من بعيد تقف مجموعة على الربوة تشاهد الأحداث وتنتظر لحظات النصر حتى تعلن رسميا الانضمام لأحد الحلفين.

 

الآن الصورة واضحة جدا نحن في حالة حرب باردة بين الأنا والذات، تنمي الدعاية والإشهار وبرامج سبر الآراء هذه الرغبات وتحولها من الثانويات إلى الأساسيات. تصبح الضغوطات حاجة ورغبة تملكها وتمارسها فتتحوّل وجوه التفاح إلى حنظل في مرارتها لا تسامح ولا تنسى ولا تخمد تعيش أرض نار ورماد. هل ستمضي حياتك تصارع وتحارب في الوهم؟ هل يستحق العمر كل هذه التجاذبات!

 

نحتاج اليوم إلى تغيير بعض المصطلحات، الصواب لا يعني الحقيقة الخالصة الخطأ لا يعني عدم اكتساب الإجابة كل شيء يمكن تداركه كل شيء قابل للتعديل وتحديده مرتبط بالتعليل

كان اللقاء جافا حزينا ورائحة العطر مقرفة حتى أن نظرات الاحتقار مشوهة بغصة تمر في ضجيج يمارس العنف مع الحلق. ما معنى أن تكون دائما مستعدا للقتال؟؟ تندثر الأسماء وتتناثر وتتهاوى معلنة القطيعة معك دون سابق إنذار، ستقوم وتمشي وتعبر مسالك الحياة كأنك ستخلد فيها لوحدك وتتخاصم مع المرآة وتعلنها عدوة لك دون وجه حق لقناعة في نفسك أن الآخر هو الجحيم. يخطر ببالك فجأة أن تتسلح بمحبة الناس وتتمتع بمشاركة الصديق رغيف الخبز. مجرد شعورك بالحاجة إلى أنيس هو خيانة لأفكارك ومبادئك التي تسلحت بها طوال حياتك.

 

فجأة تعود لك توجهاتك وأفكارك وتستبيحك القطيعة. أجواء متشنّجة والمنافقون يعبثون بين الرفوف بكل حنان ودفء يتلطفون وينصحون وفي الزوايا يتغامزون. حرب أعصاب تدوّي وأنت بطلها ما أجمل أن تنام في قاموس الإيمان وتركن في إحدى زوايا البيت تاركا همّ الدنيا وهمّ الناس، ما أجمل أن تصحو متسامحا مع الآخر ومع الذات حتى إذا استويت مع الأرض احتضنك الخالق الجبار، العمر يمضي بك متكئا. قدرك الزاوية أيها الإنسان وحفنة تبن على محياك قابعا متكئا جالسا وحيدا.

 

في البدايات تكون مستعد لتقديم التنازلات ودفع عجلة النجاح مهما كان ثمن العرض وقيمته لكن رب الأرض والعباد يمنع عنك هذا الانزلاق ويهب لك رزقا بسيطا فيه كل الخيرات اسميها راحة البال، أما اليوم فتاتيك العروض والمناصب المغلّفة بالحرام فيمنحك الله دلالات وإشارات تجعلك تعود أدراجك وتمنع عنك البلاء.

 

أخيرا أدركت بعد سنوات العمر أنّ السعادة كلمة ظرفية ووهم زرعه الأدباء والساسة حتى يمرروا بيع الخمر والمخدرات والجنس والشهوات. اليوم تتغير المفاهيم والمصطلحات وأعلن أن عبوديتي لله وحده وأنّ هدفي من الحياة ليس السعادة الوهمية بقدر ما هي راحة البال تسكنها متعة بطعم المال والخلود والنجاح والإيمان.

 

راحة البال إذن هي بقعة ضوء تعيش داخلنا تتغذى بالإيمان وتكبر بالاستغفار وتعلو بالصدقات. تمتدّ بالصمت وتشتدّ بالصبر على البلاء وتنتعش بهجر الناس، قد تصطدم بمن يقول لك "لا" أو يرفض لك طلب معين أو يرجع الحسنة بإساءة أو يدير لك ظهره متى احتجت إليه أو يمتنع عن زيارتك وقت المرض والشدة. …لأجل كل هؤلاء اترك بقعة ضوء داخلي حتى متى ألمّ بي ضيق وحزن خلقت لأجلهم الأعذار وتركتهم يتطهّرون وسط بقعة الضوء هذه هي راحة البال.

 

نحتاج اليوم إلى تغيير بعض المصطلحات، الصواب لا يعني الحقيقة الخالصة الخطأ لا يعني عدم اكتساب الإجابة كل شيء يمكن تداركه كل شيء قابل للتعديل وتحديده مرتبط بالتعليل، كان من الضروري تكسير كل الحواجز والأصنام والاتجاه نحو حرث الأرض البور لا الاكتفاء بالمشاهدة والتنظير. إذا خوض التجربة هو أساس كل معرفة. البداية صعبة جدا ومفتاحها التخلّص من المرآة. قتل هذه النرجسية والكفّ عن حب الذات.

 

ما معنى أن أكون وحيدا في هذا العالم؟؟ كل المحيطين بي مخطئين إلا أنا، الصحوة الحقيقية في التصالح مع الماضي والحاضر والمستقبل قبل أن يناديك الجميع بالمرحوم. …لا تشاهد. ..لا تسمع. …قد أنهيت جميع الفصول. إنّ السعادة الحقيقية لا تكون إلاّ في راحة البال . يمكن لك بعد كل هذا ان تختار بين زرع شجرة ترفرف بظلالها على كل حزين ويقطف ثمارها كل عابر سبيل . وبين زرع الكراهية والحقد الدفين.