هل سينصف القضاء الدولي خديجة جنكيز؟

بداية نتساءل أليس من العدالة منح التعويضات المستحقة لها عن الأضرار النفسية والمعنوية سواء الآنية أم المستقبلية التي تعرضت وستتعرض لها جرّاء جريمة القتل البشعة بحق خطيبها الصحفي جمال خاشقجي، دون تصوير الأمر من منظور عاطفي كما لو كانت أرملة فقدت زوجها الحنون، فالقضية قضية عدالة ينبغي أن تأخذ مجراها لا تسويقاً للعواطف والإنسانيات، وعليه تبرز الحاجة للتعريف القانوني للدعوى، لنجد أن فقهاء القانون يصفونها وفق أبسط تعريف على أنها طلب الحق من آخر في حضور القاضي، وهي الطريق القانوني الذي أتاحته الدساتير للأفراد سعياً لحماية خصوصياتهم ورفع الظلم عن مصالحهم من خلال اللجوء إلى النظام القضائي النزيه، على الرغم مما نشاهده من تناقضات في واقع الحال تتمثل في مسلكيات العديد من الدول التي تتحايل على القانون الدولي.

 

وتجرم بحق الصحفيين وتغتالهم معنوياً وحسياً عبر عدة أساليب بخلاف القتل الفعلي، مروراً بالسجن والمثال عليه الصحفي المصري محمود حسين والإقامة الجبرية التي فرضت على الصحفي تيسير علوني، واحتكار المعلومات الصحفية (واتخذ هذا الإجراء مراراً وتكراراً ضد مراسلي قناة الجزيرة بصورة عامة) وما يتفرع عن الأضرار المعنوية (وهي تطال أغلب صحفيي المنطقة العربية)، وكلها للأسف لا تلاقي أي ضجة إعلامية، بل تمر وللأسف مرور الكرام دون اعتراضات أو احتجاجات أو إبداء ملاحظات.

من أين تبدأ الحكاية؟

بعد مرور ما يقارب نصف عام على تعارف الباحثة التركية المتخصصة في الشأن العماني الآنسة خديجة جنكيز بخطيبها الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وفي اللقاء الأخير بينهما قبل أيام من ذهابه للمرة الأخيرة نحو القنصلية السعودية في تركيا، حيث التقيا بموظف السجل المدني في بلدية الفاتح في تركيا يوم الثامن والعشرين من سبتمبر للعام الحالي لإتمام إجراءات الزواج، ثم توجها بصورة ثنائية للقنصلية مسرح الجريمة، وغاب جمال عنها ساعة ونصف ثم عاد مطمئناً إياها بأن الأمور تسير وفق ما يرام، وسرعان ما مرت الوقت سريعاً، ووصلنا ليوم الثاني من تشرين الأول، حين عاد خاشقجي من لندن وتناول بمعيتها فطور الصباح، وكان أن تلقى في هذه اللحظة اتصالاً من القنصلية السعودية يفيده بأن وثائق الزواج جاهزة، وما عليه سوى التفضل بزيارة القنصلية لأخذها، وهناك اختفى وحصلت القصة المعروفة لدى الجميع، وكما هو معلوم فإن خديجة حين فقدت الصبر اتصلت بالسلطات التركية، وبالمستشار ياسين أقطاي في حزب العدالة والتنمية الحاكم لمعرفة ما الخطب.

هذه الجريمة النكراء حوت أطرافاً عديدة تآمرت في القيام بها، وبالتالي سيلزم هذا المدعي العام والقضاة تحرّي أطراف القضية واستنطاق الجميع، وبذل الجهود في سبيل إقرار التعويضات الكاملة

بسؤالنا للفقيه الدستوري هل يجيز القانون الدولي في هكذا حالة إقامة دعوى قضائية على السلطات السعودية؟ فإن العدالة فوق كل اعتبار، وللمواطن المطالبة بكرامته وحقوقه الدستورية ورد الاعتبار بعيداً عن العواطف الإنشائية الجياشة بحق الوطن والمواطنة، وعليه فالقنصلية كانت مسرحاً احتضن جريمة القتل بدم بارد بحق صحفي أعزل، تم استدراجه واختطافه من قبل أفراد يتمتعون بالجنسية السعودية هم ومن أصدر لهم الأوامر، أما فيما يتعلق بالأحجية هل القنصلية تعد أرضاً سعودية وفق الأعراف السياسية، أم توصيفها بالأرض التركية؛ ففي كلا الحالتين تطال الإدانة السلطات السعودية.

 

وهي ملزمة بالاستماع لدعوى خطيبة خاشقجي تبعاً للعدالة المطلوبة، زد على ذلك أن خديجة ليست أدنى مرتبة من مثيلاتها الأمريكيات اللواتي قطعن أشواطاً في التقاضي عبر قانون جاستا المثير للجدل، والذي يتكفّل بتأمين حقوق ذوي المفقودين والقتلى جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن المنطقي الاستفادة من بنود هذا القانون الذي يقزّم الحصانة السياسية، ويسمح بإجراء دعاوى قضائية ضد السلطات السعودية من قبل المتضررين وذويهم وأسرهم، وهو يتيح للكثيرين رفع دعاوى قضائية بوصفهم متضررين من أحداث برجي التجارة العالمي. إلا إنه من الضروري التذكير بأنه في حالة إقرار قانون مماثل وليكن من قبل دولة كالصين مثلاً، فإن الدبلوماسية الأمريكية حينئذ ستتعرض للكثير من المتاعب في العالم.

وفي واقع الحال فإن هذه الجريمة النكراء حوت أطرافاً عديدة تآمرت في القيام بها، وبالتالي سيلزم هذا المدعي العام والقضاة تحرّي أطراف القضية واستنطاق الجميع، وبذل الجهود في سبيل إقرار التعويضات الكاملة، وبالأخص إذا علمنا عن توافر الشروط الموضوعية لتسجيل الدعوى القضائية، وهي المصلحة والأهلية والصفة والإذن القانوني، والشروط الشكلية لتسجيل الدعوى، وهي عريضة افتتاح الدعوى وشرط احترام الآجال والمواعيد.

جوانب المعاناة بين المحسوس واللامحسوس

لقد جاء الاعتراف السعودي بالقتل متأخراً بعيد مرور 18 يوماً عانت فيها الفاضلة خديجة جنكيز ما عانت جراء العذاب الطويل والقاسي الذي لحق بها في تلك الحادثة المؤلمة والمدانة من قبل الجميع، وتجلّى ذلك الحزن في جلوسها بالقرب من القنصلية لساعات طوال في حالة من الرعب يرثى لها، وهي تنتظر عودة خطيبها، إلى أن اتصلت بالسلطات التركية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كشفت التغريدات المتعددة التي رافقت تلك القصة المؤلمة عن كم الآلام النفسية والشخصية التي حاقت بها، ومما تضمنته "رحمك الله يا حبيبي جمال، وجعل مثواك الفردوس الأعلى مع سيد الشهداء حمزة".

تم سرقة شعور هذه الآنسة بالأمن في وطنها الأم تركيا حين قامت السلطات السعودية بانتقاء موضع الجريمة النكراء، كما أنها تعرضت لتهديدات عديدة استوجبت قيام الشرطة التركية بحراسة منزلها على مدار الساعة
 

أما بخصوص الضرر المعنوي الحاصل بفعل تلك الجريمة النكراء فحدّث ولا حرج، ويكفي دليلاً عليه دعوة ترامب لها لزيارة البيت الأبيض ليوظف هذه المأساة لغايات انتخابية، مما حدا بها لرفض الزيارة، ويمكن بحال من الأحوال توصيف الضرر المعنوي أو الإحاطة بالمدى الذي قد يصل إليه على كافة الصعد والاتجاهات، مما يستوجب التظلّم أمام محكمة دولية، وبالتالي أن تأخذ العدالة مجراها في هذه الوقائع.

لقد تم سرقة شعور هذه الآنسة بالأمن في وطنها الأم تركيا حين قامت السلطات السعودية بانتقاء موضع الجريمة النكراء، كما أنها تعرضت لتهديدات عديدة استوجبت قيام الشرطة التركية بحراسة منزلها على مدار الساعة، وكل هذا من شأنه إلزام الطرف المعتدي بتعويضات لقاء هذا الرعب الحاصل لها، كما أنه من حقها أن تنال تعويضات بسبب قتل زوجها المستقبلي والأب المحتمل لأولادها، وفي نفس السياق فإن الإهانة التي تعرض لها أنجال خطيبها، حين قتلوا مرتين الأولى بقتل والدهم، والثانية بإلزام أخيهم صلاح بالسلام على من تسبب في مقتل أبيهم، فهذه الإهانة تفرض رد الاعتبار لهم بعد ما رأوه من إذلال واعتداء على مشاعرهم الإنسانية.

ونستحضر ما قاله ترامب مؤخراً بخصوص السخاء المالي السعودي المتوقع تجاه الولايات المتحدة الأمريكية بصورة منقطعة النظير، حين طالب السلطات السعودية بضرورة الدفع لقاء حمايتها في العقود السابقة، فجاءه الرد الصادم: أنتم لم تطلبوا لقاء ذلك، مما يشي بكرم وسخاء مقبلين في قادم الأيام، وينبغي ضمان عدم الكيل بمكيالين مختلفين في هذا الصعيد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة