ما عاد تكميم الأفواه يجدي!

قد يراود بعض الحكام والأنظمة العربية في زماننا هذا أن يذهبوا بأنفسهم إلى لندن ويبحثوا عن المقبرة التي دُفن بها "تشارلز بابيج" عالم الرياضيات والمهندس والفيلسوف الشهير ليستخرجوا رفاته من قبره ويحكموا عليه بالإعدام بتهمة إثارة الفتنة والعمل على تقويض نظام الحكم، بل قد يتبادر إلى ذهن البعض أن يطحن ما تبقى من عظام ذلك الخائن بأسنانه ثم يحرقها ويلقي بها إلى غياهب المحيط الهادي.

قد يستغرب البعض من هذا الرجل، ولما كل هذا؟ الجواب يكمن في أن "تشارلز بابيج" هو من قام بأكبر جريمة في التاريخ من وجهة نظر الأنظمة الدكتاتورية المتجبرة، ألا وهي اختراع جهاز الحاسوب، ذلك اللعين الملعون الذي أخذ يتطور بسرعة عجيبة حتى وصل إلى ما نراه اليوم، وبسببه أصبحت الستائر مكشوفة وكل الأسرار باتت معروفة وفضائح الحكام وجرائمهم يراها كل صغير وكبير في هذا العالم، ونُزعت الأكمام عن الأفواه بعد أن تكسرت القيود المُكبلة للعقول، ذلك الجهاز الصغير الذي أعاد شيئاً من إنسانية الإنسان بعد أن سلبها الظالمون الجبابرة.

لن يغفر الحكام الطغاة لـ "تشارلز بابيج" أبداً، ولن يسامحوه على ما اقترفه بحقهم، فقد كانوا من قبل حاسوبه سيء الذكر، كانوا على رقاب معارضيهم يدوسون، وللأقلام الحرة يكسرون، وللشعب يخطبون، والشعب رغماً عنهم يصدقون، فمن يقول لا كانت أخر ما يقول، ومن ينتقد حاكماً كأنما أساء لإله أو رسول، ومن يطالب بالحقوق يرى الشمس لأخر مرة عند إقفال باب الزنزانة عليه دون محاكم أو قضاء أو قانون، فالقانون كان ما يقوله الحاكم، والدستور كان رؤية الحاكم، والقضاء كان حاشية الحاكم، حتى مفاتيح السجون تبات تحت وسادة الحاكم. سيبحثون عنك يا تشارلز في كل شوارع لندن، لن يتركوا ثأرهم، ولن ينسوا أن أول شعلة أضاءت الطريق للحوسبة كانت فكرة من دماغك الملعون، ولن يبارحوا لندن حتى ينتقموا من تلك الدماغ التي قلبت كراسيهم وكسرت مفاتيح السجون.

تلعثم الزعماء الأشاوس، وارتبكت جيوشهم المدججة بالسلاح، تكسرت قذائف مدافعهم أمام كف بها قلم، وما عادت الخطب الرنانة تجدي، وما عادت الزنزانة تجدي

ومن لندن يتجمع حكام أمتنا من أجل أن يجيشوا الجيوش ويسلحوا الجنود باتجاه واشنطن، وتحديدا إلى مقاطعة (مدينا) حيث مقر إقامة العاق بيل غيتس، المجرم السفاح الذي لم يرأف بحال حكامنا المساكين حين راودته نفسه الدنيئة على اختراع نظام لتشغيل الحاسوب، ليمارس أفظع الجرائم ويكمل مسيرة شيطانه الأكبر سالف الذكر تشارلز بابيج، فبدلا من أن يعطل ما اكتشفه تشارلز أو يصمت على الأقل عمل على تطوير نظام يسهل تشغيل الحاسوب الملعون، فيا ويلك يا بيل من مدافع جيوشنا أيها العبقري المجرم، ستذوق الأمرين من قنابل جهلنا أيها النابغة الأحمق، وهل هناك عاقل يفتح النوافذ لجياع عطشى.

ومن مقاطعة (مدينا) في واشنطن وبكل تأكيد سيتوجه الحكام المتسلطين في طائرة خاصة إلى كاليفورنيا لينكلوا بجثة ستيف جوبز ويسحلوه ويقطعوه إربا على فعلته الشنيعة، فلو بقي حاسوب بيل غبياً لكانت المصيبة أقل ضرراً ولما تكسرت العروش من تحت أصحاب الكروش لكن ذلك الأفّاق المجرم جعله ذكياً، سهلاً، في متناول الجميع وبلمسة واحدة تستطيع أن ترى كل شيء في هذا العالم، وبدقيقة واحدة يستطيع أي شخص أن يُخرج كل ما في جعبته من حقد دفين على من ظلموه، على من جوعوه، على من سجنوه، وألف مرة قبل أن يقتلوه قتلوه.

لماذا لم تتركه غبياً أيها الغبي؟ لماذا تنبه الشعوب، ليقطعوا صلاتهم وتقديسهم لنا ويسألونا؟ فنحن لم نعتد أن يسألنا أحد، نحن دائم من نسأل، ونحن دائما من نجيب، والشعب ما عليه سوى أن يهز رأسه بالموافقة ويصفق لحكمتنا وعطفنا ورغيف خبزنا الذي نرميه له بعد أن يوشك على الهلاك جوعاً. وتُحشر الوحوش المسعورة من السلاطين، يبحثون عن كل ذا عقل لعين، كل مفكر وكاتب وشاعر وكل من يطالب بحقوق المساكين، ها هو ذاك.. امسكوه، اسجنوه واسحقوه، هو ذا "مارك زوكربيرغ" طاغية عصره بلا منازع، فقد أتى بالطامة الكبرى، وارتكب المعصية العظمى حين دفعته نزوته الشيطانية لاختراع الفيسبوك، تلك النافذة التي تطل منها وجوه البؤساء لتمد يدها بقلم مقهور وتكتب ما تشاء دون خوف أو قلق، وبسببه تجرأ غيره ونشأت وسائل التواصل التي أرهقت الطغاة وجعلتهم يعيشون في خوف دائم من تغريدة أو مقال يحشد الشعوب لاجتثاثهم من جذورهم.

تلعثم الزعماء الأشاوس، وارتبكت جيوشهم المدججة بالسلاح، تكسرت قذائف مدافعهم أمام كف بها قلم، وما عادت الخطب الرنانة تجدي، وما عادت الزنزانة تجدي، وما عاد هناك (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)، تكشفت الفضائح والجرائم، تبعثرت أوراق محاضر التحقيق المزيفة في فضاء شبكة عنكبوتية تلف خيوطها على رقبة الحكام الظالمين، بانت أكاذيب الصاق التهم بالأبرياء التي أخذت أسابيع وأشهر من العمل والسهر في المقرات الأمنية، بانت بمقطع فيديو لخمسون ثانية بعدسة مراهق مختبئ خلف نافذة أو مستتر خلف سيارة مهملة. صحفيٌ يسجن في الشرق يعلم عنه الغرب، وناشط يُضرب بالهراوات من أذناب السلاطين فيراه العالم أجمع، وقلم يكسر فيصبح حديث منظمات حقوق الإنسان، ما عاد القاتل مجهولاً وما عاد حق القتيل يُدفن معه في أقبية الحكام وسجونهم، ما عاد الجلد يجدي، ولا الظلم يجدي، وما عاد تكميم الأفواه يجدي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يواصل آلاف المهاجرين من أميركا اللاتينية مسيرتهم باتجاه الولايات المتحدة عبر المكسيك، غير آبهين بتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنشر 15 ألف جندي على الحدود لمنعهم من الدخول.

الأكثر قراءة