فلسطين والاحتلال الإسرائيلي.. حصاد فتح ومأزق حماس!

لا تزال حالة الجمود التي تنتاب الواقع السياسي في الأراضي الفلسطينية تلقي بظلالها السلبية على جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى انسد الأفق أمام أية بوادر لحل، وباتت محاولات التحليل والاستشراف أمرا معقدا للغاية وكأنها قضية تنجيم تنفصل عن المعطيات المادية على الأرض.

 

حصاد السلطة وفتح

السلطة الفلسطينية من جهتها، استنفذت جميع الوسائل لإنجاح المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وعقد اتفاق يفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة “إسرائيل”، وحل باقي قضايا الوضع النهائي وخاصة قضية اللاجئين والمستوطنات والمياه، خصوصا أمام القرارات الأمريكية التي قضت على كل احتمالات التوصل إلى اتفاق تسوية، وباتت تدرك أنها اليوم بلا سلطة فعلية، وتحولت بذلك إلى مجرد موظف ينجز ما ألقي على كاهله من مسؤولية، وستبقى تبحث عن قشة نجاة لضمان بقائها بغض النظر عن الثمن.

وفي طبيعة العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، لا تزال السلطة متمسكة بنهجها الذي لا يقبل بغير رؤيتها السياسية، وتناصب الخلاف لغيرها من الحركات المعارضة وعلى رأسها حركة حماس، التي تتمسك هي الأخرى برؤيتها للحل مع السلطة. وعلى صعيد حركة فتح، لا تنتهج الحركة أية رؤية مغايرة لرؤية السلطة الفلسطينية، وقد أوكلت لنفسها مهمة الحراب السلمي مع الاحتلال، وحولت كل جهدها لمواجهة الاحتلال وجرائمه بمسيرات هنا وهناك أو حراك دولي لا يعلم نهايته أحد ولا يشعر بجدواه إلا مسؤولوه ولو كذبا.

أكبر اختبار لحركة حماس
التعويل على دور عربي وإقليمي لإنقاذ الفلسطينيين مما هم فيه، معادلة غير منطقية، ولا نبالغ القول لو قلنا أنها "معادلة غبية تماما" خصوصا أمام حالة التسابق العربي نحو التطبيع مع الاحتلال

وليس حال حماس بأحسن من حال فتح والسلطة، "باستثناء القوة التي راكمتها في غزة" بعد هذا الاستثناء تعتبر في وضع أكثر تعقيدا، فهي وإن كانت تختلف في الأساليب، إلا أن ذلك لا يضعها في وضع مغاير، جعلها تخضع لأكبر اختبار سياسي مرت فيه طوال مسيراتها السياسية.

فهي تصطدم بموقف إسرائيلي متشدد حيال الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عقد من الزمن، وموقف مصري متمسك بشروطه لفتح المعابر البرية مع غزة ويربطها بتقديم خدمات أمنية كفيلة بدفن مشروعها "أي تجفيف توريد السلاح"، وعقوبات اقتصادية من السلطة الفلسطينية التي تضغط عليها لتسليم قطاع غزة، وأمام هذا كله، تبحث حماس لنفسها عن حل وسط يتماهى مع هذه الجوقة ويحمي مشروعها الوطني المهدد، وينقذها من المأزق الواقعة فيه.

السيناريو الأول:
نشوب حرب طاحنة بين المقاومة في غزة والاحتلال الصهيوني، والاكيد أن هذه المواجهة ستكون مواجهة " كسر عظم " مواجهة مفصلية ترسم شكل المنطقة وتحدد الاستراتيجيات السياسية لعقود راسخة، والهدف منها اجتثاث حماس لمرة واحدة وإلى الابد، أما عن النتيجة ولصالح من الغلبة، فالغالب هو الاحتلال أذا أخضعنا الامر للماديات المتاحة، لكن الثابت أن كل الذين تحرروا كانوا أقل عددا وعُدة.

السيناريو الثاني:
فيما يخص السلطة الفلسطينية واتفاق التسوية، يكمن الحل في دخول عناصر وقوى جديدة للعبة، تقدم أفكار جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما أتت عليه نيران الفرقة السياسية وسياسة التفرد بالحكم وإلغاء الآخر، التي تنتهجها السلطة التي تقودها فتح منذ أكثر من عقدين من الزمن، وهو أهم عامل يمكن أن يخرج الحالة السياسية الفلسطينية من المأزق الواقعة فيه، وهذا يتحقق فقط عندما يستقيل الرئيس محمود عباس، أو في حالة وفاته، وعن الاستقالة فهي مستبعدة إن لم تكن مستحيلة بحسب الخبرة مع الرئيس عباس، وعليه فهذا السيناريو الاضعف.

الخطورة في استمرار الجمود القائم الذي أوصل الفلسطينيين إلى المأزق الواقعين فيه حاليا، تكمن في تسهيل الظروف للاحتلال الإسرائيلي من أجل تمرير مخططاته وطموحاته السياسية
 

السيناريو الثالث:
بقاء الحال على ما هو عليه، يدرك الاحتلال الإسرائيلي تماما أن الوضع القائم في الحالة السياسية الفلسطينية وحالة الانقسام الداخلي الحاصلة على المستوى الفصائلي، هو أنسب ظرف يمكنها من الدخول بشكل واسع في عمليات التهويد والتدمير الحاصلة بحق مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، في ظل صمت عربي وإقليمي مطبق، ودعم وتأييد أمريكي منقطع النظير، وهذا الاحتمال هو الاصعب إذ أن المكاسب الصهيونية تعيش ربيعها في العقد المنصرم.

لا جدوى من انتظار الخارج

أن التعويل على دور عربي وإقليمي لإنقاذ الفلسطينيين مما هم فيه، معادلة غير منطقية، ولا نبالغ القول لو قلنا أنها "معادلة غبية تماما" خصوصا أمام حالة التسابق العربي نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي والدخول في علاقات مفتوحة علنية معه، ليتحول العرب إلى مصدر ضغط آخر على الفلسطينيين لا مصدر قوة يعول عليه، فهي ورقة يجب أن يسقطها الفلسطينيون من حساباتهم في ظل حكم "الثورات المضادة".

إن الخطورة في استمرار الجمود القائم الذي أوصل الفلسطينيين إلى المأزق الواقعين فيه حاليا، تكمن في تسهيل الظروف للاحتلال الإسرائيلي من أجل تمرير مخططاته وطموحاته السياسية والجغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

جثت أم الشهيد الطفل الفلسطيني خالد أبو سعيد على ركبتيها، وانكبت تقبل وجه ابنها وهي تحتضن جسده الصغير، وسط بكائها وعويل بناتها وقريباتها اللائي جئن لإلقاء نظرة الوداع عليه.

الأكثر قراءة