جثة خاشقجي.. الركن المفقود في الجريمة الدولية!

تمر الأيام والأسابيع حول مصير الصحفي البريء والجريء على قول الحقيقة وتشخيص الوضع السياسي والاقتصادي للمملكة العربية السعودية، جريمة نكراء بكل الأركان المادية والمعنوية ومحرمة في كل الديانات والكتب السماوية. تمر الساعات والدقائق الطويلة على هذه الفاحشة المقيتة التي اهتز لها الضمير العربي والإسلامي والعالمي بصفة عامة دون معرفة ماذا جرى داخل القنصلية السعودية بإسطنبول على الرغم بأن اتفاقية "فيينا للبعثات الدبلوماسية" لسنة 1961 في المادة 41 التي تشير في فقرتها الثالثة أن: "المباني الدبلوماسية لا تستعمل في مخالفة القانون الدولي العام أو أعمال البعثة المدنية أو الاتفاقيات الخاصة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمدة لديها".

 

لكن السعوديون ارتكبوا جريمة مخالفة للقانون الدولي باغتيال هذا المواطن السعودي داخل القنصلية، وهو ما سيسمح لتركيا أن تقاضي المملكة العربية السعودية عند محكمة الجنايات الدولية عن طريق مجلس الأمن الدولي رغم أنها ستستغرق العملية أزمنة طويلة، أو ستضحي المملكة بأشخاص وتقدمهم للعدالة التركية بأقل الخسائر، كما أن السعودية استغلت مواد هذه الاتفاقية الدولية خاصة ما يتعلق بالحقائب والطرود الدبلوماسية و حرية المراسلات ومحفوظات البعثة وحرمتها وهربت الجثة التي هي مربط الفرس وقرينة مادية على ارتكاب هذه الجريمة.

فجريمة قتل الصحفي "جمال خاشقجي" داخل القنصلية ستأخذ بعدا سياسيا وليس جنائيا لأن أحد أركان الجريمة أي الركن المادي لم يكتمل بعد وهي النتيجة أي الجثة التي لم يعثر عليها بعد رغم وجود الركنين الآخرين: الفعل الجنائي والعلاقة السببية، لكن الاعتراف بوقوع الجريمة من طرف السعوديين هو سيد الأدلة رغم عدم العثور على الجثة التي هي الحلقة المفقودة في العملية الجرمية الشيء الذي يجعل من هذه القضية متفرعة الأبعاد والنتائج ومتشعبة المسالك.

الشارع السعودي صامت ومندهش نظرا لهول الحادث المزلزل، كما يعتبر استدراج المجني عليه إلى تركيا قصد تسوية أوراق الزواج هو أمر مدبر ومحبوك من طرف المخابرات الأمريكية والسعودية

كما تعتبر عواقب هذا الجرم الجنائي الدولي وخيمة على السعودية التي تعتبر دولة لها وزن كبير في المحيط العربي والإسلامي ،لذلك تشكل هذه الواقعة أداة ابتزاز مكشوف من الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا للمملكة العربية السعودية لدفع إتاوات ورشاوى لإخفاء تقارير المحققين أو منعهم من ذلك، فالخاسر الوحيد في هذه العملية الإجرامية هي السعودية ونظام" محمد بن سلمان " لأن هذا الحدث المرعب سيبقى وسيلة ضغط من هذه الدول الغربية حتى تستنزف الخزينة السعودية ماليا عن طريق إبرام الصفقات المشبوهة، وسيمثل اختبارا واقعيا لعلاقات المملكة بالدول الغربية ومؤثرا سلبيا على التحالف الأمريكي والسعودي خصوصا باليمن وسوريا.

فالصحفي والإعلامي المقتول "جمال خاشقجي" كاتب عمود في صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية ومقيم بأمريكا وستكون تبعات هذا الحادث المدان كبيرة على المملكة أيضا من الناحية الأخلاقية والقانونية والسياسية والاقتصادية، كما يعتبر الصحفي المغدور شخصا مقربا من الأمير "تركي بن فيصل" مدير المخابرات السعودية الأسبق، فربما هناك صراع مرير بين الأمراء الصغار بالمملكة من الجيل الثالث ومستقبل الملكية بالمملكة بدأ يطفو على السطح حول من سيخلف الملك سلمان بن عبد العزيز.

فالشارع السعودي صامت ومندهش نظرا لهول الحادث المزلزل، كما يعتبر استدراج المجني عليه إلى تركيا قصد تسوية أوراق الزواج هو أمر مدبر ومحبوك من طرف المخابرات الأمريكية والسعودية من أجل إحراج تركيا واستفزازها على أرضها وكذلك محاولة خلط أوراق سياسة تركيا بالمنطقة المشتعلة وإحراجها دوليا ،لكن الأتراك سيتعاملون بذكاء سياسي ودبلوماسي شديدين، علما أن تركيا لديها مطالب وشروط من السعودية وأمريكا كتسليم المعارض الانقلابي "فتح الله كولن" وكذلك الكف عن دعم الأكراد المعارضين كحزب "العمال الكردستاني" وأيضا دعم الاستثمارات الخليجية للأتراك خاصة مع تقهقر وضع الليرا مؤخرا أو بتنازل تركيا عن صفقة الصواريخ S400 التي ستبرمها مع روسيا قريبا أو بدعم تنظيم الإخوان المسلمين في العالم ورفع طابع الإرهاب عليه والكثير من الشروط والمطالب ستظهر في الأيام المقبلة.

وفي الختام السياسة هي فن الممكن تغلب المصالح على المبادئ وكشف الحقيقة فيها بنظرة الواقعية السياسية، وكل طرف سيتناول الحادث الجنائي من منظوره الخاص ومصالح بلاده العليا وستكون هذه ورقة سياسية لمن يحسن لعبها واستخدامها خاصة الأمريكيين الذين يعيشون هذه الأيام انتخابات نصفية بالكونجرس، اما الدول العربية فهي جسد بلا روح في غرفة الإنعاش تنتظر الأوكسجين للأسف الشديد، وتبقى جثة الشهيد "جمال خاشقجي" أشهر من نار على علم واغتياله بهذه الطريقة المقززة يظهر للعالم مدى ضعف وهوان النظام السعودي ومن يحكمه وأصبحت هذه العملية المضحكة وصمة عار على نظام "محمد بن سلمان" الذي لا يراعي حرمة المسلم ودمه وعرضه وماله. بهذا الفعل الأرعن سيختفي "محمد بن سلمان" إلى الوراء لا محالة في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلا وكيف ستعالج الأمور داخل المملكة وخارجها إما بالانسحاب من اليمن وسوريا أو التطبيع علنا مع إسرائيل أو التضحية بولي العهد وتغيير الهيكلة السياسية بين أبناء "آل سعود" أو رفع الحصار عن قطر والبحث عن مصالحة شاملة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة