بين خاشقجي وخالد سعيد.. هل يشعل اغتياله ثورة شعبية سعودية؟

أصدقكم القول، كانت مفاجأتي بمتابعة تفاصيل اغتيال جمال خاشقجي رحمة الله عليه كبيرة! كنت أتصور أن أقصى ما حصلت عليه الحكومة التركية من تسجيلات للجريمة لا يمكن أن يتعدى فريق المنشار المكون من 15 عشرة فردا، وربما بعض الشخصيات المسئولة في المملكة. كان ظهور أي شخصية ذات ثقل مستبعد بالنسبة لي، فما زلت متأثرة بغموض الرأس الكبيرة في فيلم الرجل الثاني، ودهاء المعلم بيومي في رصيف نمرة خمسة، ومكر الحاج عبد التواب في فيلم العار، لم أظن أن يعيد ولي العهد مأساة كمال فينسى هو الآخر أن "يفيش الهوامش"!

يظهر جورج جالاوي النائب البريطاني السابق ليقص علينا ما شاهده شخص قريب منه اطلع على التسجيلات التي تملكها تركيا للجريمة والتي يصفها بأنها لو نشرت ستكون الأكثر تدميرا في القرن ال21، فيقول أن محمد بن سلمان تحدث مع خاشقجي عبر سكايب قبل اغتياله، وأن رئيس مكتبه هو من أعطى الأمر بقتله قائلا "أحضروا لي رأس الكلب!".

أظن أن سياسي على هذا القدر لن يعبث بإطلاق تصريحات كهذه من فراغ، ونظل نحن نتحدث بحسب ما سرب إلينا، فما زالت خيوط القصة كلها في يد تركيا ومن قالت أنها أطلعتهم على ما لديها من أدلة. وربما زاد يقيني بجدية حديث جالاوي بعد خطاب أردوغان الأول وظهور ولي العهد ممتقعا في مؤتمر دافوس الصحراء ليقدم تنازلات غير مباشرة، ثم يعجل بالتقاط صور مع ابن خاشقجي، وتضارب روايات السعودية حول الواقعة، وتنازل السعودية عن ديون بالمليارات، وتواتر أخبار صفقاتها المفاجئة، لتأتي تصريحات الطيب الأخيرة عن أن تركيا تملك براهين قوية وأن هناك مماطلة في التحقيق حول قضية خاشقجي تهدف إلى حماية شخص ما، لترجح كفة رواية النائب البريطاني.

أصبح النظام السعودي في وضع لا يحسد عليه، يشبه كثيرا وضع سفاح مصر بعد الانقلاب مباشرة؛ تخيل الجميع أنه قد قضي أمره بعد جرائمه المسجلة بالصوت والصورة، ولكنه تنازل وأبدى استعداده للمزيد

المدهش هنا أن يظهر الرجل الأول في موقع جريمة بهذا الحجم في عصر كدنا نتحدث فيه إلى أصابعنا؛ ألم يتعلم شيئا من سفاح مصر الذي يخشى إلى اليوم وهو على رأس السلطة أن يلفظ اسم رئيسها محمد مرسي، بل إنه يخشى الحديث بألفاظ واضحة عن أحداث جرت أو تجري أو ستجري. وعلى صعيد آخر، تكشف التسريبات أن خاشقجي أخبر فريق التفاوض معه بحسب رواية السعودية أن هناك من ينتظره بالخارج وسيبلغ السلطات التركية إن لم يطلقوا سراحه. وتتحدث خديجة خطيبة جمال في أحد اللقاءات لتشرح لنا كيف أنها انتظرت خطيبها في الخارج وعندما تأخر، ذهبت وسألت حارسا عنه أخبرها ألا أحد بقي بالداخل!

في أفشل أفلام الأكشن والرعب تجد أن المجرمين يهتمون جدا بمعرفة من ينتظر الضحية بالخارج ويحاولون التخلص منه، حتى لا يكون دليلا يسوقهم إلى السجن، ولكن القتلة المارقين لم يهتموا بهذا المشهد وحذفوه من فيلمهم الهابط. يقودني كل ما سبق إلى استنتاج واحد، ألا وهو أن هذه الجريمة صنعت لتفتضح. فما جرى من هياج عالمي بعد تسريب وقائع الجريمة يجعلني أشك في أنها كانت مجرد عملية خطف وقتل غبية، فهذه ليست أول عملية قتل ينفذها النظام السعودي. فلماذا ظهرت على السطح؟ ولماذا أخذت هذه المساحة الإعلامية؟

إن ما جرى هو عملية تخليق خالد سعيد وبوعزيزي للمملكة بأيد سعودية، كما صنع غانم الدوسري على غرار باسم يوسف من قبل، وستجد أن وائل غنيم سيظهر في الوقت المناسب. إنها صناعة الثورة السعودية؛ تلك الثورة التي دفعت المملكة المليارات -ولا زالت- للفكاك منها عن طريق قلب أنظمة حكم ديمقراطية وليدة في بلاد شهدت ثورات الربيع العربي؛ فتسببت في قتل وسحل وسجن وتعذيب وتشريد.

 

أرادت الفرار من هذا المصير بتمرير انقلاب ناعم لطفلها المدلل لتظهره أمام العالم بمظهر الطموح الثائر المجدد وظنت أنها قد أفلتت بفضل أموالها واستثماراتها فعرضت نفسها لأكبر عملية ابتزاز في التاريخ لن تنتهي إلا بتقسيم المملكة وتدويل مكة والسطو على ما قد يتبقى لديها من نفط؛ وما العراق عنا ببعيدة. فصدام التقط الضوء الأخضر من أمريكا فغزا الكويت، وهذا الأحمق التقط الضوء الأخضر فاعتقل وذبح، ثم ألقى به مرسل الضوء إلى رجال الكونجرس ليمزقوه، وتنكر له أصدقاؤه في الامارات ومصر الذين خططوا له وأوقعوه في شر أعماله.

 

والآن أصبح النظام السعودي في وضع لا يحسد عليه، يشبه كثيرا وضع سفاح مصر بعد الانقلاب مباشرة؛ تخيل الجميع أنه قد قضي أمره بعد جرائمه المسجلة بالصوت والصورة، ولكنه تنازل وأبدى استعداده للمزيد فحظي برضا السيدين إلى حين؛ فهل يستطيع بن سلمان الحصول على قبلة حياة بنفس الطريقة، أم أنهم قد أجمعوا أمرهم على ازاحته؟ فلنتابع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تشكل انتخابات السلطات المحلية العربية في إسرائيل التي جرت أمس الثلاثاء محطة مفصلية في إدارة الشؤون الذاتية لفلسطينيي 48 خلال الخمس سنوات المقبلة، مما يفسر الإقبال وحجم المنافسة والمشاركة العربية.

الأكثر قراءة