الباقورة.. أرض "أردنية" بسيادة "إسرائيلية"!

الباقورة؛ أرض أردنية.. بسيادة "إسرائيلية، حتى تاريخ الخامس والعشرين من شهر أكتوبر لعام 2019! بهذا يمكن وصف منطقة الباقورة الأردنية التي تتبع إداريا وجغرافيا للواء الأغوار الشمالية في محافظة إربد التي لا تبعد عنها سوى مسير 20 دقيقة في السيارة باتجاه غرب المدينة التي هي الأخرى شهدت قصفا عنيفا في حرب عام 1967، وشمال غرب عمان بمسير لا يتجاوز ساعة وربع الساعة من قلب العاصمة إلى منطقة الباقورة. وبمحاذاة شرق نهر الأردن الخط الحدودي الفاصل بين فلسطين المحتلة والأردن.. ويطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي اسم "نهاريم".

الباقورة "المستعارة"!

الباقورة "المستعادة" بهذه العبارة تستقبلك آرمة إرشادية مثبتة على يمين الطريق المؤد إلى الباقورة من قلب الشونة الشمالية باتجاه الشرق، كان قد عدّل عليها أحد المارة ممن لم تعجبه اللوحة الإرشادية والترحيبية التي تحمل اللون الأزرق، لتصبح "الباقورة المستعارة"، قبل أن تتنبه لذلك بلدية معاذ بن جبل وتعيد اللوحة إلى طبيعتها.. غربا، وباتجاه الباقورة أياّ كانت تسميتها "المستعادة أو المستعارة"، ولأن الأرض المحروقة التي كانت حتى وقت قريب خضراء، لم تحتمل الحضن الاحتلالي ورفضته منذ احتلالها، غير أن الارض ذاتها عانت وقت الاحتلال وأيضا ما بعد "وادي عربه" تلك الاتفاقية التي أعادت أرض الباقورة جغرافيا إلى الأردن ولكن بسيادة إسرائيلية بموجب اتفاقيات التأجير المبرمة بين الأردن و"إسرائيل".


أرض لك لا تطأها قدماك!

الفرادة، والغرابة في أمر الباقورة "المستعادة" تكمن في معادلة من الصعب فهمها.. ففي الوقت الذي يورق فيه شجر البرتقال والليمون وبيارات الباقورة الممتلئة بسلال الحمضيات من كل الأنواع، تمنعك قوات من الجيش الأردني المنتشرة في أكثر من مقص عابر على الشريط الحدودي من التقدم أكثر مما يجب نحو الباقورة، وخصوصا إذا اقتربت من مشروع "روتنبرغ" المعطوب الذي ما زال ماثلا للعيان.. فهذا المشروع كان يعرف باسم شركة كهرباء فلسطين، وأقيم المشروع في منطقة الباقورة جنوب بحيرة طبريا، وسمي بهذا الاسم نسبه إلى مؤسسه اليهودي الروسي الأصل بنحاس روتنبرغ عام 1926، وهو رئيس المجلس الوطني اليهودي في فلسطين، والذي منحته بريطانيا في عام 1921 حق امتياز استغلال مياه النهرين لتوليد الطاقة الكهربائية لإنارة المدن الفلسطينية والأردنية في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

نزح العديد من الفلسطينيين عام 1948 لشرق نهر الأردن وسكن بعضهم الباقورة، واشتغلوا في مهنتهم الأصلية الزراعة إلى جانب تربية المواشي.. غير أن الاحتلال الإسرائيلي أكمل على احتلال المنطقة الجغرافية ذات السيادة الأردنية واحتل الباقورة

هنا؛ في الباقورة لا تملك حق التجول كما ينبغي، ولا حق التأخر إلى ما بعد غروب الشمس حتى وإن كنت "شمام هوا" أو سائح، فعليك مغادرة المكان في وقت محدد أيضا بموجب اتفاقيات مسبقة، فيما تمنع غالبا من دخول المنطقة أيام السبت لأن هذه الأيام من حق السائح الإسرائيلي وله حرية التجول كما لو أنه في بيته! فيما تكبل أنت في أرض لك لا تطأها قدميك!

صوب الغرب

من مدينة أربد نتجه صوب الغرب، فعلى بعد مسير 20 دقيقة في السيارة وبسرعة لا تتجاوز 70 كم، تصل منطقة الباقورة، وهذه البلدة الوادعة التي لعبت دورا بارزا في تعيين الحدود بين شرق الأردن وفلسطين إبان الانتداب البريطاني، إذ تم اعتبار نهر الأردن حدا فاصلا بين الأردن وفلسطين.. في الوقت الذي اعتبر فيه نهر اليرموك حدا جغرافيا فاصلا بين الأردن وسوريا وبناء عليه أصبحت الباقورة وفقا لهذه الحدود جزءا من الأردن.

في العام 1948 وهو التاريخ العربي المشؤوم، نزح العديد من الفلسطينيين إلى شرق نهر الأردن وسكن بعضهم الباقورة، واشتغلوا في مهنتهم الأصلية الزراعة إلى جانب تربية المواشي.. غير أن الاحتلال الإسرائيلي أكمل على احتلال المنطقة الجغرافية ذات السيادة الأردنية واحتل الباقورة ودارت معركة هناك أحرقت الأخضر واليابس ما زالت شواهدها حاضرة إلى هذا الوقت بالإضافة لثكنات عسكرية أردنية جزء منها مصاب بقذائف الاحتلال نتيجة الحرب وقتذاك.

سلام.."شالوم"

في عام 1994، كان الأردن كما هو حال منظمة التحرير الفلسطينية، باتفاقية "أوسلو"، ومن قبل ذلك مصر باتفاقية "كامب ديفيد".. كان الأردن على موعد مع اتفاقية "وادي عربة" التي سوقها البعض على أنها اتفاقية "المّن والسلوى"، كدلالة رمزية على النهوض الاقتصادي والرفاهية المنتظرة، ففي هذا التاريخ اتفق الجانبان الأردني والإسرائيلي في معاهدة وادي عربة على استرداد الأردن لجزء من الباقورة بمساحة تقارب 850 دونم، من أصل حوالي 6000 دونم المساحة الإجمالية للمنطقة، مقابل تنازله عن باقي المساحة لإسرائيل. علما إن الأردن لا يمارس السيادة الفعلية حتى على المنطقة المستردة، والتي خضعت لنظام خاص يحق للإسرائيليين بموجبه التملّك والزيارة وبدخول شرطته الاحتلال بسلاحه.

على وقع خطى الاحتلال الذي يتبختر على الشريط الحدودي بسياراته العسكرية لمراقبة الأمر عن كثب، وبعيدا عن ضوضاء المراقبة المباشرة، هل ستكون الباقورة في ظل سيادة أردنية، في تشرين أول من العام المقبل؟
 

لم ترق الاتفاقية للشعب الأردني في بياضه الأعظم، وعارضوها بقوة عبر سلسة احتجاجات رافضة لهذه الاتفاقية ولهذا التطبيع المقبل.. فتم إحكام السيطرة الأمنية والعسكرية على منطقة الباقورة بشكل لافت بعد الاتفاقية مباشرة وانتشرت مظاهر أمنية وعسكرية على امتداد الشريط الحدودي الغوري بما في ذلك بلدة الشونة الشمالية التي تبعد عن مدينة أربد، كبرى المدن الأردنية بعد العاصمة عمان 20كم.

ومن هذا المنطلق التقت الإرادة الشعبية مع الإرادة الملكية، حين أعلن الملك عبد الله الثاني الأسبوع الفائت عن إنهاء الاتفاق الأردني ـ "الإسرائيلي" الذي كان يقضي بتأجير أراض أردنية إلى الجانب الإسرائيلي في منطقتي الباقورة والغمر اللتين استردتهما الأردن إبان توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين عام 1994، وقال الملك خلال لقائه عددا من القوى السياسية وممثلي الصحافة المحلية في القصر الملكي إن: "أولوياتنا في مثل هذه الظروف الإقليمية الصعبة هي حماية مصالحنا وعمل كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين." ويضيف الملك أن "موضوع الباقورة والغمر على رأس أولوياتنا منذ فترة طويلة" مشيرا إلى أن الباقورة والغمر "أراض أردنية وستبقى أردنية ونحن نمارس سيادتنا بالكامل على أراضينا".

سؤال في البال؟

بهدوء تام، وعلى وقع خطى الاحتلال الذي يتبختر على الشريط الحدودي بسياراته العسكرية لمراقبة الأمر عن كثب، وبعيدا عن ضوضاء المراقبة المباشرة، وقريبا من المراقبة الإلكترونية على امتداد الشريط الحدودي من منطقة الباقورة باتجاه الشمال الغربي المحاذ للجولان وعبر مسار بلدات العدسية والحمة الأردنية والمخيبتين (الفوقا والتحتا)، وهما اسم بلدتين قريبتين من الحدود، ثمة سؤال يدور في فلك المنطقة الحدودية التي لا يمر فيها طائر إلا بإذن مسبق وخصوصا في الطريق الواصل بين العدسية والحمة الأردنية التي ما زالت اثار العدوان الإسرائيلي ماثلة على امتداد الشريط الذي حولته الجغرافيا بطبيعتها إلى متحف وبانوراما يحكي عن تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر 60 سنة فائتة.. سؤال في البال يلقي بظلاله على الوجدان الشعبي الأردني: هل ستكون الباقورة في ظل سيادة أردنية، في تشرين أول من العام المقبل، وتواجه تهديدات "إسرائيل" بحرب مائية ضد الأردن"؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة