إيّاكِ أن تجعلي الرجل خاتما في أصبعك!

في جميع الأماكن والأزمنة البعيدة والقريبة تطلب المرأة الحب والاحترام والتقدير ممن حولها، خاصة من الرجل، وهو حق من حقوقها كما هو الحال مع كل البشر، لكن في مجتمعاتنا العربية نجد أن معظم من حولها يحاول أن يعطيها ما تريد من معاني الحب والاحترام والتقدير، ولكن ليس لها في المقام الأول بل لتقدمها على طبق من فضة لشريكها الرجل. فتفتح التلفاز لتشاهد برنامج معني بالأسرة والعلاقة بين الزوجين، فتجد أحدهم يقول: الرجل كالطفل الصغير يجب أن تسايريه وتعرفي كيف تتعاملين معه، وتأتيك أخرى تقول لك: الرجل لا يوجد أسهل منه وتستطيعين مسايرته بكلمتين، وبهاتين الكلمتين يصبح الرجل خاتم بأصبعك!

وغيره من الكلام الرنان الذي لا يوصلك لنتيجة إلا لتلك التي تشعرك بأنك المخطئة، وبأن أعباء العلاقة بأكملها أنت الأساس في إنجاحها أو إفشالها، تضعك في دوامة يتضارب فيها ما تريدين مع ما يريدون، وما تشعرين به مع ما يجبروك على أن تشعرين به. والمرأة قد تساير وتضبط أعصابها مع مجريات الحياة التي تكون في كثير من الأحيان ضاغطة، فقد تجتمع على المرأة زوج عصبي، وأولاد مضغوطون يخرجون توترهم فيها، وعمل ضاغط، وعلاقات اجتماعية مزيفة، وظروف مالية صعبة، وعمل مع أشخاص سلبيين، وغيرها من ظروف الحياة التي لا يكاد يخلو بيت من بعضها أو كلها في بعض الأحيان. وهي تحاول الصبر أحيانا والعصبية أحيانا أخرى، والتأقلم ومحاولة أن تكون إيجابية، والنجاح أحيانا في تحقيق ذلك والإخفاق أيضا أحيانا أخرى.

لكن السيناريو الذي يعرفه معظمنا -على الأقل في المجتمعات العربية- هو ما إن يحصل وتنفجر المرأة من هذه الضغوط الضاغطة والملحة عليها قالوا لها -حتى قبل أن تبرر سبب انفجارها- بدون تفكير أو حتى تفحّص للمعطيات التي أوصلتها إلى الانفجار: حسّاسة، ونكدية، ولو كنت مكان زوجها لتزوجت عليها أو لرميتها. كل ذلك كي يثنوها عما تفعل ويجرموها على قانون فيزيائي لا علاقة لها به، ألا وهو الضغط يولد الانفجار، فالأرض تنفجر ببركان عندما يرتفع الضغط بداخلها فما بالك بالإنسان الذي خلق من هذه الأرض وأخذ من خصائصها بحكم ذلك.

لا أحد ينكر الدور الجوهري الذي تقوم به المرأة في إنجاح العلاقة مع الرجل وفي تربية الأبناء وفي النهوض بالمجتمع، لكنها ليست الوحيدة التي يجب أن تبذل المجهود في سبيل البقاء على هذه العلاقة ناجحة متوازنة

يجب أن يساعد الرجل المرأة على إيجاد متنفس عندما يجد بركانها في طريقه للخروج، حتى لو كان على الأقل هو المتنفس لهذا البركان، أو إن كان يريد ألا يصل لهذه النتيجة فيجب أن يوفر لها متنفسات عديدة في واقع حياتها، فلها يوم للأصدقاء، ولها وقت للراحة من فترة لأخرى بلا أولاد وضجيج الأولاد، لها طموحات يجب أن يشد على يدها ويشجعها لتحقيقها بسعادة كي تشعر أنه شريكها في النجاح والحياة وليس فقط بالأمور الإجبارية المشتركة بينهما كالأولاد.

المرأة التي قررت في مثل مجتمعاتنا أن تجلس في بيتها لتربي أبناءها (تربية وليس رعاية) بدلا من رميهم لخادمة تربيهم أو لشارع يحتويهم، هي امرأة تستحق أن ترفع لها القبعات احتراما وتقديرا، لثباتها على فكرة أن بناء الإنسان أهم من بناء أي شيء آخر، فهي ليست كما يصوّرها المجتمع على أنها مرتاحة في البيت لا تفعل شيء سوى احتساء القهوة ومشاهدة التلفاز والخوض مع الصديقات وتلك التي خرجت للعمل مضطرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ولم تقصر في حق من هي مسؤولة عنهم من زوج وأولاد، هي امرأة تستحق كل الاحترام والتقدير ذلك أنها حاولت أن توازن بين واجباتها كأم وواجباتها كزوجة وكعاملة.

ذات مرة سألتني صديقتي سؤال مغلّف بالشكوى: أين هي كلمة شكرا في قاموس الرجل الشرقي، هي كلمة شبه معدومة لم يتربى عليها مثل هذا الجيل، اعتقدت أن زوجي من ضغوط الحياة ينسى أن يقولها لي لكن تأتيني خادمة تساعدني في البيت وتأخذ راتب يعتبر كبير نسبيا -بشهادة زوجي-وجدته يقول لها مخاطبا ذات مرة: كان الله في عونك تعملين كثيرا ألا يكفيك عمل، هذا وهي تأخذ مقابل من هذه الخدمة! أما أنا زوجته التي قد تمر أيام لا أنام باليوم الواحد أكثر من ثلاث ساعات لا يكلف خاطره أن يقبّل جبيني كل يوم ممتنا لما أقوم به في حقه وحق أولادنا وبيتنا، بل على العكس قد يزهد بكل ما أفعل ويرمي به في عرض الحائط! إن كنت تريدها زوجة، وأم، وخادمة، وسائق.. إلخ قدّرها ولو بكلمة شكر، قدّر تعبها ومجهودها في محاولاتها لإرضاء الجميع. عندما وصى المجتمع عبر أمثاله وحكمه وأقاويله الشعبية بالرجل هذا الكائن (الطفل) لم لم يوصي أيضا بالمرأة هذا الكائن الرقيق؟

صدقيني عزيزتي كل هذه الترهات التي تأتيك على هيئة نصائح ما هي إلا إشاعات وكلام لا يمت للواقع بصلة، ولا يزيد الأمور إلا سوءا ولا يزيد العلاقة إلا تعقيدا، خاصة لو قامت بفعله المرأة بالضغط على نفسها وأعصابها وأحيانا أولادها إرضاءا لهذه المقولات التي لا تنتهي التي تجعل من الرجل أولا ثم أنت ومشاعرك وحقوقك وكل شيء آخر ثانيا إن لم يكن أخيرا. لم أسمع مثل هذا الكلام الذي ليس له أساس من الصحة إلا في المجتمعات العربية، رغم أن ديننا لم يوصِ الرجل بشيء كوصيته بالمرأة، فقال عليه السلام (استوصوا بالنساء خيرا..).

المرأة تمر بأطوار ومراحل مختلفة في حياتها تؤثر عليها إجبارا وليس اختيارا، فلديها الهرمونات المتقلبة، فإذا كان رب العالمين قد عفاها من الصلاة في أوقات محددة وهي عمود الدين فما بالك بمن حولها
 

و(ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم) و(رفقا بالقوارير…) وفي القرآن الكريم (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)، ولم أجد في المقابل ما يوصف الرجل بوصف الطفل، ثم الاستخفاف بكل مشاعر المرأة وضغوطاتها وجهودها بأن ما تشعر به أحيانا مع ذاك الرجل مبالغ فيه وأنها هي المسؤولة الأولى عن هذه العلاقة. بالطبع لا أحد ينكر الدور الجوهري الذي تقوم به المرأة في إنجاح العلاقة مع الرجل وفي تربية الأبناء وفي النهوض بالمجتمع، لكنها ليست الوحيدة التي يجب أن تبذل المجهود في سبيل البقاء على هذه العلاقة ناجحة متوازنة، وإلا لخلَق الله حواء دون آدم ما دامت قادرة على ذلك لوحدها ولخلَق آدم لوحده أيضا، لكن لأن المهمة لن تنجز إلا بهما سويا ولن تنجح إلا بتكاتفهما ورحمتهما ببعضهما خلقهما ليكونا معا، ليكملا بعضهما، وليتقاسما الحياة بتفاصيلها حلوها ومرها.

ثم إن المرأة تمر بأطوار ومراحل مختلفة في حياتها تؤثر عليها إجبارا وليس اختيارا، فلديها الهرمونات المتقلبة كهرمونات الدورة والحمل والولادة، فإذا كان رب العالمين قد عفاها من الصلاة في أوقات محددة وهي عمود الدين فما بالك بمن حولها، أليس الأجدر بهم أن يحترموها ويراعوا مشاعرها ويطبطبول عليها، وفي القرآن الكريم يوجد سورة كاملة اسمها سورة النساء المليئة بالأحكام المتعلقة بهن ما يدل على أهميتهن ودورهن الفعال في هذه الحياة.

إذاً من باب العدل أن يشكر كل منهما الآخر ويقابل التقدير بالتقدير والاحترام بالاحترام والشكر بالشكر. والله عز وجل وهو أغنى الناس عنا وعن شكرنا قال في كتابه العزيز "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" ليعلّمنا أن الشكر يفيد قائله أكثر من مستقبله والمرأة (الطبيعية) كذلك اشكرها تعطيك أكثر من قلبها وعقلها وجهدها ولله المثل الأعلى طبعا. وهمسة أخيرة أهمسها في أذنك عزيزتي المرأة: لا تجعلي أحد خاتم بإصبعك، فبعد فترة قد يصبح هذا الخاتم خطر على يدك إن لم يكن على جسدك بأكمله إن انتفخت يدك وأصابعك من ضغط الدماء المتدفقة في عروقك، ويصبح هذا الخاتم نقمة عليك لا نعمة لك خاصة لو كان الخاتم من النوع التجاري الرخيص الذي قد يودي بحياتك الغالية لأجل لا شيء!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة