أمراض الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي!

في هذا المقال الذي سيتواصل كسلسلة مقالات لست بصدد تجريم الحركات الإسلامية وأنا ابنها وإظهارها بأنها سبب مشاكل الأمة كما أنني لست بصدد البكاء على تاريخٍ قد مضى فذلك ليس إلا مسلك القانعين الخانعين الذين ليس لهم في الواقع حظ ولا نصيب، وبالعموم فالمقال هو بمثابة نقد للذات ومراجعات تصحيحية لحركة شهد القاصي والداني لها بتأثيرها الفعّال والمشرِّف منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى يومنا هذا دعوةً وجهاداً وفِكراً وبياناً وسياسة وفِطنة وكياسة. إلا أن سنة الله الماضية اقتضت ألّا يكون كاملٌ سوى كتاب الله وحكمت بأن تغير الزمان والمكان مدعاة لتغيير خطاب الإصلاح وتجديده بما يتناسب وواقع الأمة الموجه اليها ذاك الخطاب وكل من يتناسى هذه السنن فمصيره أن تتجاوزه حركة التاريخ ويضمحل ويموت. وبالعموم فإن مشاكل الجماعات الإصلاحية لها أبعادٌ ثلاثة تدور فيها وجوداً وعدما فمُقِلٍ ومستكثر وهي:

إشكال وجودي (انطولوجي)

ويتمثل في رؤية الحركات الإصلاحية للواقع وإيمانها بسردياتها الكُبرى ومدى مرونتها في مراجعة تلك السرديات والرؤى وتجديدها. فمثلاً نجد في بعض الحركات الإسلامية نزوعاً إلى الماضي بوصفه الحالة المثالية التي يجب أن نعود إليها وتقديساً لفهم السابقين أو الأسلاف لنصوص المُطلق والتي من أهم خصائصها تحركها مع الزمان والمكان وقدرتها على الإجابة على سؤلاات العصور المختلفة مغلقين بذلك باب الاجتهاد ومعطلين مناط التكليف الإنساني ومحصن الإيمان الأول الذي هو العقل.

وأخرى رأت أن الإجابة على سؤال الوجود تكمن في اعتزال الواقع والنزوع من عالم الْحِس إلى عالم العرفان فصار مفهوم الإصلاح فيها مقتصر على وصول الفرد للمعنى العظيم (الإله) عبر التنسك والزهد رغبة في تحقيق معاني الحلول والاتحاد مهملين بذلك الرؤية الإصلاحية القرآنية التي قضت بأن لا استقامة للقرآن حتى يُطبق في المجتمعات فيكون شِرعة ومنهاجاً وصلاة ونسكاً وطريقة حياة بحيث أن المجتمع هو من ينزع إلى الله لا العكس كما في النسق العرفاني.

مع تطور المعارف وتزايد الزخم العلمي والفكري نجد أن التاريخ يستنسخ نفس الإشكال الأبستمولوجي مجدداً في تعاطي الجماعات الإصلاحية المعاصرة مع الراهن المعرفي رفضاً وقبولاً

ولا يعني هذا النقد للنموذجين أعلاه عدم أهمية التزكية مثلاً أو عدم جدوى التأصيل والتحقيق والانتماء للذات وإنما هي بالأحرى دعوة لإعادة قراءة المدرستين قراءة جمعية توحيدية لا إهمال جانب على حساب آخر وإغفال نمط لبقية الأنماط إنما إعادة صياغة التوجه بحيث تدين الصلاة والنسك لله ويدين المحيا والممات أيضاً له فبدلاً من تُقصي الجماعات الأصولية الفنون مثلاً والفلسفة تخلق نمطاً خاصاً منها ذو طابع أخلاقي يتناسب ووجود هذه الجماعات وتنخرط الجماعات العرفانية بنسق تزكوي في معاش الناس ولا تعتزلهم طلباً للكمال.

إشكال معرفي (أبستمولوجي)

وتجده ظاهراً في تعاطي الجماعات الإسلامية مع القضايا المعرفية انفتاحا وانغلاقا ورداً وأخذا. ولعل هذا الإشكال برز له المتكلمة في العصور القديمة فمن قائل منهم بضرورة التعاطي مع الفلسفة والمنطق مثلاً ومن ثم شارع في كتابة علم الأصول ومقاصد الشريعة وفقاً لما أخذ من قواعد المنطق الأفلاطوني. ومن آخر يراها كفراً وشراً محضاً لا خير فيه وواصم من تعامل معها بالفسق والفجور مستخدما سلطة النص الفقهي حتى وصلت إلينا المقولة الشهيرة (من تمنطق تزندق) وغير ذلك من الأمثلة.

ومع تطور المعارف وتزايد الزخم العلمي والفكري نجد أن التاريخ يستنسخ نفس الإشكال الأبستمولوجي مجدداً في تعاطي الجماعات الإصلاحية المعاصرة مع الراهن المعرفي رفضاً وقبولاً وحتى على مستوى المنهجية في التعامل مع وافد المعرفة المكتوب في سياقات زمكانية مغايرة وإمكانية قبوله أو رفضه وهل نقبله كله أو نتركه جله أو نكون فيه أمة وسطا.

وحتى على المستوى الكُبروي كما يسميه السيد كمال الحيدري لا تكاد تجد جماعة إسلامية إلا وتدعي أنها قادرة على استنباط أجوبة للسؤالات الوجودية من مصادرها المعرفية قرآناً كانت أم تراثاً ثم لا تفتأ تتفاجأ بالرقم صفر جاثياً أمامك في تقييم تجارب تلك الحركات المعرفية إلا نذر يسير من المحاولات وتقف حائراً أين نموذج تلك الجماعات لسؤال الدولة والسلطة والحكم مثلاً فبمجرد صعودها للحكم نجدها استنسخت النموذج النيوليبرالي أو الرأسمالي متناسية موروثها الثقافي والمعرفي وغير آبهة حتى بمحاولة البحث في نماذجها الحضارية وقس على ذلك سؤال الاقتصاد والمعاش وغيره الكثير! كل هذه الإشكالات تمثل تحدياً يستلزم حلولاً وتساؤلاً يستدعي تحريك الجهود للإجابة على هكذا سؤال تجريداً وممارسة.

إشكال تطبيقي (عملي)
القوم إلى الآن مصرِّين على عدم التعلم من أخطاءهم فلا تكاد تسمع عن إصلاح إداري أو تنظيمي أو حتى ممارسة ديموقراطية داخلية على مستوى من يؤمنون بها إلا نذراً يسيرا

ولعله من هُنا تؤكل الكتف.. فأغلب الحركات الإصلاحية وإن كان جوابها على سؤال المنهج لم يرتقِ للكمال أو حتى الرِّضا فإن ممارستها لهذا المنهج وتطبيقه على واقع الناس ومجتمعاتهم بشهادة الحبيب والغريب كان مُخيباً لآمال إلا من رَحِم الله وقليلٌ ما هم فعندما تقرأ لمفكري الحركات الإصلاحية مثلاً عن الحرية يتبادر لذهنك أن هذه الحركات هي من ستحرر الشعوب من أغلال الحكام الظالمين وستعطي الناس حقهم في الإرادة والاختيار بلا ضغط ولا إكراه.. ولكن الواقع غير ذلك تماماً فبمجرد صعودهم على كراسي الحكم الذي غالباً يكون على ظهر الدبابة مخالفة لقضية الإرادة وقواعد الولاية والرِضا التي طالما كتبوا وتحدثوا عنها تجدهم تحولوا لأدوات بطش في نظام الدولة مثلهم مثل أي طاغية لا أخلاق له ولا منهج بل وأسوأ.

وحتى إذا دلفنا إلى سؤال الأخلاق مسلّمين عند بابه بأن لا مصدر لها سوى الأديان ولا مبشَّر بها سوى الحركات الإصلاحية ومنهجها التربوي لأعضائها وللمجتمعات المسلمة وأنها ما يميزنا كإسلاميين عن غيرنا من التيارات وغيرها من عبارات الثناء نجدنا أول الساقطين في هذا الباب مع أول محنة تُلِم بالصف المسلم فلا نتورع عن أن نكذب أو نُقصي او نحقِد فيما بيننا أو أن نبطش بضعيفٍ أو أن نظلم مسكيناً متى ما استطعنا لذلك سبيلا أو وجدنا لباب السلطة منفذا يسيرا.. منفصلين بذلك عن واقعنا ومبادئنا وضاربين في التفنن في ذلك الأمثلة حتى فيما بيننا كأبناء المنهج الواحد والجماعة الواحدة وحتى من يسلم من هذه البلاوي التي يبدو أن منهج الجماعات في التزكية لم يجد لها حلاً لا يسلم من سوء الظن وكثرة الشك بذريعة الأمن والتأمين ولا يخلو هذا الظن من بعض التهم التي تُكتب لهذا الأخ أو ذاك من اتهامه في مسائل الخلاف وجعلها مطعنا في أخو المنهج ورفيق الجماعة أن بقية المسلمين فمنتسب الجماعة الإسلامية ملك مرسل ووصي من الله على خلقه فيزدري من يشاء ويستصغر الآخر متناسياً ان الأمة هي قضيته الأساسية كإسلامي.

 

أضِف إلى كل هذا أن القوم إلى الآن مصرِّين على عدم التعلم من أخطاءهم فلا تكاد تسمع عن إصلاح إداري أو تنظيمي أو حتى ممارسة ديموقراطية داخلية على مستوى من يؤمنون بها إلا نذراً يسيرا. كل هذا وغيره مشاكل لابد أن نعترف بها أولاً ونعرف موضع الألم حتى نجد العلاج. في بقية هذه السلسلة سأجتهد في تناول كل مشكلة بصورة منفصلة بعد هذا التحليل العام والسياقات التي تسببت بنشوء هذه الإشكالات وأنجع الطرق لعلاجها كما سأعرج على نماذج إصلاحية واقعية في الجماعات وأسأل الله أن تكون ذات فائدة وتعيها أُذُن صاغية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تشكل انتخابات السلطات المحلية العربية في إسرائيل التي جرت أمس الثلاثاء محطة مفصلية في إدارة الشؤون الذاتية لفلسطينيي 48 خلال الخمس سنوات المقبلة، مما يفسر الإقبال وحجم المنافسة والمشاركة العربية.

الأكثر قراءة