أردوغان وقضية خاشقجي.. بين مطرقة الذئاب وسندان الثعالب!

بعد حادث مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، ظن الكثيرون أنه قد حانت اللحظة التي يجب أن يُشعل فيها الرئيس التركي أردوغان فتيل الحرب ضد المملكة العربية السعودية، بل وقامت الدنيا ولم تقعد بعد خطاب أردوغان الأخير في مجلس الأمة التركي، حتى أن وصل الأمر بالبعض إلى المسارعة باتهام الرجل بالتفريط في القضية وفي دم القتيل، وحقيقة الأمر أنهم ما أرادوا إلا أن يُحقق لهم أردوغان أجندة أحلامهم التي نسجوا خيوطها وسطَّروا صفحاتها بواسطة آمالهم الكبيرة وخيالهم الواسع قبل النوم في كل ليلة يمر بها العالم الإسلامي بأحداثٍ أليمة، وهو أمر لا أعيبه على أحد، ولكن ما أراه شاذًا وخارجًا عن سياقه هنا هو أن نسطَّر نحن الأحلام والآمال والأمنيات وننتظر من غيرنا التنفيذ والتطبيق؛ نظرًا لعجزنا وقلة حيلتنا وضعف إمكانياتنا وقدراتنا.

الثعالب تريد اغتنام الفرصة.. ورسائل متتالية

وفات البعض أن الرجل منذ نعومة أظافره ومنذ خوضه غمار السياسة له انتماء لتيار الإسلام السياسي يحتم علينا أن نُغَلِّبَ حسن الظن عند التعامل معه وعند الحكم على مواقفه وسياسته، كما له رصيد سياسيّ يشفع له، فهو يلعب سياسة باحترافية شديدة جعلت منه رئيسًا يتحدث بنديَّةٍ واستعلاء لا بتبعيّةٍ وانبطاح، كما لم يفهم البعض أيضًا الحقيقة التي تكمن خلف ما صرَّح به الرجل نفسه عندما قال نصًّا منذ أيام قلائل: "تركيا الدولة الوحيدة القادرة على ريادة العالم الإسلامي بأسره، بإرثها التاريخي وموقعها الجغرافي وتراثها الثقافي" وهي رسالة يرسلها لتلك الثعالب الماكرة التي تقبع خلف جدران البيت الأبيض وتحت سقف الاتحاد الأوروبي، ممن يريدون اتخاذ الأمر ذريعةً للإجهاض على مقدسات الأمّة الإسلامية في الحرمين المكيّ والمدنيّ، وهو التصريح الذي جاء لكي يعيد للطريق بوصلته الصحيحة بعد أن اعترف النظام السعودي بجريمته النكراء أمام العالم أجمع.

وما القمة الرباعية التي انعقدت في إسطنبول منذ أيام منّا ببعيد، قمة حضرها قادة أربع دول هي: تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، فقد اختار أردوغان قصر السلطان العثماني "محمد وحيد الدين" ليكون هو مقر عقد القمة دون غيره، ولم يكن اختيار أردوغان له من قبيل العبث أو المصادفة، حيث أن السلطان "محمد وحيد الدين" هو آخر سلاطين الدولة العثمانية، وهو مدفون حاليًا بالعاصمة السورية دمشق، وهو السلطان العثماني الوحيد الذي لا يوجد له ضريح في تركيا، وهو شقيق السلطانين عبد الحميد الثاني ومحمد رشاد الخامس.

وفي هذا الاختيار رسالة واضحة مفادها أنكم أيتها الثعالب الضارية إن كنتم تزعمون أنكم تهتمون بسوريا منذ عدة سنوات، فنحن نهتم بها منذ مئات السنين، كما تجمعنا بها أواصر تاريخية لا يمكننا أن نغفل عنها، وبجانب كل هذا يحاول أردوغان الحد من أطماع الثعالب وجشعهم الذي يتمثل في المزيد من الدماء أو قطعة كبيرة من الكعكة في سوريا، بل ويصرح الرجل أن الشعب السوري وحده هو من يجب أن يحدد مصيره السياسي وما بشار الأسد في أعيننا إلا قاتل مليون سوري!

الرئيس أردوغان قائدٌ سياسيٌّ يحكم دولةً أصبحت على يديه من مصافِ الدول الكبرى التي تمتلك اقتصادًا قويًّا وحكمًا سياديًّا وتراثًا ثقافيًا وتاريخيًا هائلًا، فالرجل بنى دولته من العَدَمِ

ولم يمكث أردوغان طويلًا حتى أرسل لهم رسالة أخرى، ففي اليوم التالي للقمة قامت المدفعية التركية بقصف مواقع لوحدات حماية الشعب الكردية شرق الفرات في سوريا، وهي رسالة ليست كسابقاتها من الرسائل، فهي رسالة مزدوجة تحمل العديد من المعاني والإشارات، وخاصة أنها تأتي في وقتٍ أعلنت فيه الصحف التابعة للإنقلابي الذي تحتضنه الولايات المتحدة "فتح الله جولن" عن عقد مؤتمرٍ في جنيف بسويسرا مطلع شهر نوفمبر تحت عنوان "انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا" وذلك بدعمٍ مباشر من منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية المعروفة باسم "هيومن رايتس ووتش" والتي تتخذ من نيويورك مقرًا لها.

الذئاب تكشر عن أنيابها

بجانب هذا الصراع على الجبهة الخارجية لم تلبث الجبهة الداخلية أن تنضم هي الأخرى لحلبة الصراع السياسي، فلم يعد حزب الشعب الجمهوري وزعيمه الأتاتوركي "كمال كلتشدار أوغلو" هو وحده الذي يتصدر معارضة نظام الحكم في تركيا، حيث دبَّ الخلاف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وبدأ "تحالف الشعب" الذي خاض الحزبان تحته الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية في التفكك، وعاد رئيس حزب الحركة القومية "دولت بهتشلي" إلى جبهة المعارضة ثانية، وهو الحزب الذي يتخذ من الذئب شعارًا له، حيث أن رفع إشارة الذئب أثناء إلقاء التحية، هي حركة خاصة بحزب الحركة القومية.

وليت الخلاف كان لأسبابٍ يمكن النقاش حولها والوقوف على أرضية مشتركة يمكن التلاقي عندها، كما كان يحدث من قبل، ولكنَّ هذه المرة اتسع الخرق على الراقع، حيث بدأ الخلاف عندما دعا بهتشلي في أوائل مايو الماضي إلى إصدار عفو عام عن الأشخاص المدانين بجرائم مختلفة، وذكر اسم علاء الدين تشاكجي، أحد أعضاء المافيا في تركيا على وجه التحديد، كما قام في وقت لاحق بزيارته في مستشفى بولاية كيركالي بوسط الأناضول، وهي الدعوة التي قابلها أردوغان بالرفض التام في أوائل يونيو مبررًا ذلك بأن العفو ليس على جدول أعمالنا في الوقت الحالي، لكن حزب الحركة القومية لم يتخلى عن القضية، وطرح مشروع قانون حول العفو في الشهر الماضي، وعاد الرئيس أردوغان ليكرر رفضه القاطع لقانون العفو تحت قبة مجلس الأمَّة التركي مرة أخرى يوم الأحد قبل الماضي، وقال: "إن الدولة لن تفتح الأبواب أمام المجرمين، بعض الناس يتحدثون الآن عن العفو، الضحية يمكن أن يغفر، لكن الدولة لا يمكن أبدًا أن تغفر، وخلاف ذلك سنُعْرَف باسم الحكومة التي تسامح تجار المخدرات".

كما ظهر على السطح خلافُ آخر يُضاف إلى سابقه، وهو خلاف يتعلق بقَسَمِ الطلاب في المدارس التركية الذي أُلغي في عام 2013، وكان هذا القَسَم يبدأ بعبارة "أنا تركي"، وينتهي بـ "هنيئًا لمن يقول أنا تركي". وفي الأسبوع الماضي، حكمت المحكمة العليا التركية بإعادة هذا القَسَم، وهو ما أثار انتقادات من حزب العدالة والتنمية وأردوغان الذين يعدانه رمزًا لأتباع مصطفى كمال أتاتورك العلمانيين والقوميين، وقد أثارت ردود الأفعال تلك غضب بهتشلي الذي انتقد أعضاء حزب العدالة والتنمية على تويتر.

الرئيس أردوغان وإن كان يحتاج منا الدعم ولو بكلمة، فإنه ليس مقابل ذلك أن ينتظر البعض مقابل ذلك متمثلًا في أن يطّلعه الرجل على تفاصيل الأمور أو أن يشرح له المآلات والنتائج من وراء فعلٍ ما، لا يراه هو صائبًا
 

وبعد كل هذه الخلافات المتسارعة زمنًا وكمًّا خرج بهتشلي على الملأ ليعلن عدم نية حزبه التحالف مع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية القادمة المزمع إجراؤها في 19 مارس المقبل، بل لم يكتفِ الرجل بذلك، فقد أعلنت وسائل إعلام تركية عن نية حزب الحركة القومية ترشيح رئيس بلدية أنقرة السابق "مليح غوكشيك" الذي فاز على قوائم العدالة والتنمية، بمواجهة الحزب ذاته في الانتخابات القادمة، وهي رسالة تحمل كل معاني التحدي للحزب الحاكم ورئيسه أردوغان.

كلمة أخيرة في اللحظة الفارقة

الرئيس أردوغان قائدٌ سياسيٌّ يحكم دولةً أصبحت على يديه من مصافِ الدول الكبرى التي تمتلك اقتصادًا قويًّا وحكمًا سياديًّا وتراثًا ثقافيًا وتاريخيًا هائلًا، فالرجل بنى دولته من العَدَمِ أو من تحت الصفر كما يُقال، وهو منذ قدومه لسُدة الحكم يسعى جاهدًا لأن يستنهض همم شعبه وتذكيرهم بماضيهم العريق الذي تركه أجدادهم من العثمانيين، وهذا ما استدعى أن يتحرك الشرق والغرب ويتغافل عن خلافاته من أجل إسقاط الرجل وهدم نظامه الذي يزداد قوة يومًا بعد يوم، وهو رغم كل تلك المكائد والمؤامرات الداخلية والخارجية يتعامل بحكمة وعقلانية تجعله يحصل على أكبر قدر من المكاسب ويسخرها لمنفعة وطنه ولأجل مصلحة المسلمين في شتى بقاع الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

ولكن البعض ورغم عدم درايته بما يدور في كواليس مسرح السياسة الداخلية والخارجية وكذلك الضغوط المتتابعة التي تجعل الحليم حيرانًا، لم يسع هؤلاء البعض سوى مهاجمة الرجل والمسارعة إلى اتهامه بالخيانة والتفريط في قضايا الأمّة، ولم يُجهد هؤلاء أنفسهم قليلًا لمحاولة فهم مآلات الأمور وفق ما يتعامل به أردوغان في نطاق رؤيته واطلاعه بخبايا الأمور ووفق قدرته، بجانب التوصيات والمعلومات التي يمتلكها جهاز الاستخبارات التركي برئاسة هاكان فيدان، والذي أثبت جدارته حتى هذه اللحظة الراهنة في الحفاظ على تماسك الدولة وأجهزتها وإفساد مخططات إلحاق الضرر بها سواء في الداخل أو الخارج.

إن الرئيس أردوغان وإن كان يحتاج منا الدعم ولو بكلمة، فإنه ليس مقابل ذلك أن ينتظر البعض مقابل ذلك متمثلًا في أن يطّلعه الرجل على تفاصيل الأمور أو أن يشرح له المآلات والنتائج من وراء فعلٍ ما، لا يراه هو صائبًا، فما هذه بسياسة دولة وما ذاك بمنطق عقليّ يتفق عليه اثنان فضلًا عن أمّة كاملة تحاول النهوض واستعادة مجدها من جديد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة