كن أنت صلاح الدين!

blogs صلاح الدين الأيوبي

(اللهم أخرج من أمتنا قائدا كصلاح الدين.. اللهم إنا نسألك مجاهدا كصلاح الدين).. بمثل هذه الأدعية دعا ملايين المسلمين عبر سنين طويلة، فمكانة الناصر صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب في نفوس وقلوب الأمة مكانة سامقة، وهذا لا ريب فيه، ولم ولن تفلح محاولات النيل من هذه المكانة المترسخة والمتغلغلة في قلوب أمتتا مثل ما عكف عليه يوسف زيدان مثلا في حوار له مع إحدى القنوات الفضائية في أيار/مايو 2017، من تلفظ بألفاظ مسيئة بحق هذا البطل المسلم، الذي يرتبط اسمه بالقدس المغتصبة.. بل إن تمكن صلاح الدين من استرداد القدس من الصليبيين جعل اسمه يرتبط باسم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- حين نقول عن القدس: فتحها عمر وحررها صلاح الدين. ولذا إضافة إلى أمثلة الدعاء أعلاه يضاف أحيانا دعاء آخر أو صيغة أخرى: اللهم خليفة كعمر وقائدا كصلاح الدين. ولطالما أنشدنا أو حفظنا عن ظهر قلب مقطعا من أنشودة:

 

والـنـاس كـل الـناس في أوطاننا يتصايحون

قـم يـا صـلاح الدين إن بني العروبة نائمون

قـم فـالـصـلـيبيون عادوا كالأفاعي ينهشون

فـاخـلـع نـيـوبهم التي بسمومها يتحركون

أمـا الـصـهـايـنة الغزاة فما لهم إلا المنون

يـا أيـهـا الـشعب الفلسطيني لا تلق السلاح

وتـصـد لـلـدخلاء كالضرغام في كل البطاح

 

إن احتلال فلسطين واحتلال غربي القدس في 1948 كنكبة أولى، ما لبثت أن تلتها في 1967 نكبة ثانية باحتلال شرقي القدس وما بقي من فلسطين، وشرقي القدس يضم المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث المسجدين، ولّد عند الأمة نوع من الشوق واللهفة والحلم المتواصل بأن يخرج من الأمة قائد عظيم يعيد أمجاد الأمة ويسترد (الضالة من الأمة الضالة) كما جاء في خطبة القاضي محيي الدين في ساحات المسجد الأقصى بعيد تحريره بحضور السلطان صلاح الدين.

 

ظل عوام الأمة من المقهورين من الوضع المأساوي، الحالمين بتغيير حالة الهزيمة والهوان، إلى النصر والعزة، يرون أن حاكما من الحكام سيكون هو صلاح الدين

ولقد طال انتظار الأمة وتقادمت السنون ولمّا يظهر فيها صلاح الدين من جديد؛ صحيح أن المدة التي مضت على اغتصاب المسجد الأقصى خاصة وفلسطين عامة أقل بعدد السنين، من مثيلتها في زمن الحروب الصليبية، ولكن الأمة ترى أن الإرهاصات لا تشير إلى صلاح الدين من جديد بقدر ما تشير إلى (أبي عبد الله الصغير) في الأندلس…بل إلى ما هو أكثر عارا وهوانا ومذلة! ولذا كان الشاعر العراقي أحمد مطر قبل حوالي 30 سنة غاضبا من هذا البكاء أو التباكي على صلاح الدين إذ قال في إحدى اللافتات:

 

وغاية الخشونة أن تندبوا: (قم يا صلاح الدين، قم)!

حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة!

كم مرة في العام توقظونه؟!

كم مرة على جدار الجبن تجلدونه؟!

أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة؟!

دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه

لأنه لو قام حقاً بينكم فسوف تقتلونه.

 

وغضب أحمد مطر ربما موجه إلى الحكام لا إلى الشعوب أساسا كما غالب أشعاره، ولكن الغضب في هذه الجزئية يطال الجميع حكاما ومحكومين. ولقد ظل عوام الأمة من المقهورين من الوضع المأساوي، الحالمين بتغيير حالة الهزيمة والهوان، إلى النصر والعزة، يرون أن حاكما من الحكام سيكون هو صلاح الدين.. لذا هناك من تعلقت آمالهم مثلا بصدام حسين، بل شرّقوا وغربوا حين أخذوا يقارنون الصفات المشتركة بين صلاح الدين من جهة، وصدام حسن من جهة، ومن ذلك أن كلاهما من (تكريت)!

 

وهناك من حاول تأطير الموضوع بدراسة فكرية وتاريخية، وأكتفي هنا بمثال واحد وهو كتاب (هكذا ظهر صلاح الدين وهكذا عادت القدس) لمؤلفة د. ماجد عرسان الكيلاني وهو محاولة تتجاوز الحنين والعاطفة (وإن كان الدافع لا يخلو من ذلك طبعا) إلى البحث التاريخي وسنن الكون التي لا تتبدل. وكثير من الناس يردد: لو ظهرت حركة أو كيان مثل الحركة الجهادية التي قادها صلاح الدين لكنت أول السائرين في ركبها! وبهذا يرى الواحد ممن يعتنق أو يفكر بهذه الطريقة، أنه قام بواجبه، وأدى مهمته تجاه أمته، وأراح ضميره، وفق المنهج (الانتظاري) تماما مثلما تجد من لا يريد أن يسهم في التغيير يردد: نحن بانتظار المهدي، ولا خلاص لأمتنا إلى حين يظهر المهدي! هذه الأفكار والتبريرات التعويقية هي تخدير للأمة، وتثبيط للطاقات، وقتل لروح المبادرة، وجهل لحقيقة سنن الله؛ فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

صلاح الدين المنتظر هو أنا وأنت وهو، وعلى كل فرد في الأمة أن يعي هذه الحقيقة ويعمل على ضوئها، ولا ينتظر معجزة، أو يعوّل خيرا على ظاهرة (حاكم) سيكرر سيرة صلاح الدين
صلاح الدين المنتظر هو أنا وأنت وهو، وعلى كل فرد في الأمة أن يعي هذه الحقيقة ويعمل على ضوئها، ولا ينتظر معجزة، أو يعوّل خيرا على ظاهرة (حاكم) سيكرر سيرة صلاح الدين
 

وعلى كل لنفرض جدلا أن صلاح الدين قد بعث من جديد، في هذا الزمن، فماذا سيفعل؟ وماذا سنفعل معه؟ لن أقول ما قاله أحمد مطر، ولكن نحن أمام حالة جديدة تختلف في حيثياتها مع ما كان عليه الحال زمن صلاح الدين قبل ألف عام؛ فنحن أمام نظام دولي يتحكم بالأفكار ويصوغها، ويتصدى بكل الطرق لأي فكرة يراها متمردة عليه، وإذا كانت الأمة في زمن صلاح الدين مهزومة عسكريا ولكنها قوية فكريا وعلميا، مثلما ذكرت في أحاديثي السابقة عن كتاب الاعتبار للأمير أسامة بن منقذ؛ فإن الأمة اليوم تعاني الفقر والبطالة والتخلف العلمي والصناعي، ويتحكم بها الصليبيون الجدد، ويصنعون لها الأعداء من شتى الجهات، إلا من يحتل القدس فيريدونه أن يصبح صديقا، وقد نشأت في العالم منظومة الدولة الحديثة الشرسة المهيمنة على دقائق الأشياء، مسخرة تفوقا عسكريا وتقنيا لصالحها، وضمنا لصالح احتلال فلسطين، فماذا بمكنة صلاح الدين أن يفعل؟ فقط سيستشهد!

 

لذا فإن التعلق المرضي بشخص الفرد، على اعتبار أنه يملك عصا سحرية، هي فكرة جلبت على الأمة الدمار وسببت لها الإحباط المتكرر؛ فالتغيير أو التحرير ليس عملية فردية منبتة عن حركة دؤوبة تتعلم من دروس الماضي، وتواجه تحديات الحاضر بما يمكن من أدوات، وتتقن فهم التكتيكي والاستراتيجي، ولا تحيد حين يصيبها قَرح عن هدفها، ولا تجعل الهدف محل مساومة، ليقينها بنصر الله الموعود.

 

هذا يعني أن صلاح الدين المنتظر هو أنا وأنت وهو، وعلى كل فرد في الأمة أن يعي هذه الحقيقة ويعمل على ضوئها، ولا ينتظر معجزة، أو يعوّل خيرا على ظاهرة (حاكم) سيكرر سيرة صلاح الدين، فهذا مضيعة للوقت، واستنشاق للمخدرات الفكرية، وهي حالة يرغب أعداء الأمة في بقائها واستمرارها، أي أن يردد أبناء الأمة القاعدين: نحن ننتظر قائدا كصلاح الدين.. فمتى وكيف وأين سيتكرر نموذج صلاح الدين وأنت لا تبادر؟.. ضع في وعيك منذ اللحظة: أنا هو صلاح الدين.. ولو جربها بضعة آلاف من كل قطر من أقطار الأمة فإن المسألة ستصبح مسألة وقت قصير بإذن الله.