سيد قطب.. ما بعد النص الغاضب!

blogs - سيد قطب

قرر الأستاذ سيد قطب بدءا من كتاب "العدالة الاجتماعية" المضي في الطريق، لتأسيس أيديولوجيا إسلامية، بعد أن أشار في مقدمة الكتاب على ضرورة ألا يستدين المفكرون الإسلاميون من الآخر أو يستعيرون الأفكار والمقولات من الغرب طالما لديهم "رصيد مذخور". لكن تلك الحالة تطورت في كتاب "المعالم"، وتحولت الفكرة من محاولة لتنظير إسلامي لقضية "العدالة الاجتماعية"، إلى محاولة إعادة تأسيس "الوجود الإسلامي" برمته. حيث اكتشف الأستاذ "سيد قطب" أن ما فعله قبل ذلك كان فيه اختلاط ببعض الأفكار الجاهلية، وأن أي محاولة معرفية للتنظير في لحظته تلك، تعني مشاركة الجاهلية تصوراتها، إنها حسب قوله "السخرية الهازلة فيما يسمى تطوير الفقه الإسلامي في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله"، وقد اعترف في "المعالم" أنه يقول هذا الكلام عن وعي بعد أن قضى في القراءة أربعين عاما في شتى العلوم.

 

إعادة غرس الدين

وبدءا من كتاب "هذا الدين" و"معالم في الطريق" حاول سيد قطب أن يقول إن لهذا الدين طبيعة لا يعمل إلا من خلالها، وهو أن يعود مرة أخرى وحيا تتلقاه جماعة أرقمية في مكة، ثم ينتج عن ذلك تصورات اعتقادية وفكرية نقية بعيدة عن أفكار العالم الجاهلي. اللافت أنه رفع منهج الحركة الذي اقترحه باعتباره منهجا جبريا أقرب للعقيدة منه إلى التجربة التاريخية الإنسانية.

 

كان الأستاذ رحمه الله يعتقد أن الحل للمعضلة اللحظية يبدأ "بتصفير" التاريخ والبدء من جديد من أجل انتاج اسلام نقي غير معكر بتصورات الواقع الجاهلي، ربما ظنا منه أن طبيعة الدين تعمل وحدها دون أن تتأثر بالسياقات التاريخية. والقول بإمكانية أن يتفادي الفكر الديني التأثر بروح عصره هو تصور غير تاريخي، وأقرب للأسطورة منه إلى الحقيقة، فالقرآن نفسه تلبس ببعض المفردات غير العربية. إنها طبيعة التنظيرات الأيديولوجية الصماء التي توهم القارئ بالكلام العقلاني، ولكنه إيهام شكلي، حيث ترتكز مسلماتها على منطلقات غير عقلانية كما يقول المفكر "داريوش شايغان"، وغالبا ما يستيقظ معتنقو تلك الأفكار الأسطورية على مأساة مروعة.

 

ينبغي أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون

أذكر أنني كنت أقرأ كلام شكري مصطفى، وهو قد قام بتنفيذ عملي لشرط بناء الجماعة عمليا وقرر مهاجرة المجتمع والشروع في تأسيس "النموذج" الذي ستخرج منه حضارة الله، عندما سئل عن دوره فقال أنا دوري "البناء الأول" الذي يغرس الجماعة، وهي مقولة آتية في روح أقرب للمهدوية. ووصل الأمر بالأستاذة زينب الغزالي أن قالت إنه يجب أن تمر الحركة بثلاثة عشر عاما مكية حتى يمكن البناء على ذلك، وخرجت كتابات مثل "المنهج الحركي للسيرة النبوية"، وغيرها من الكتابات المبنية على الوعي الزائف غير التاريخي، وكانت نتيجة ذلك مشاكل سياسية وحركية لا حصر لها.

 

والأستاذ سيد نفسه في كتاب "العدالة الاجتماعية" كان واعيا تماما بخصوصية الظرف التأسيسي الأول للإسلام، الذي ظهر في فضاء مفتوح حيث لا دولة ولا ملك ولا قوانين، وحسبما قال "وكان هذا أنسب وضع لهذا الدين في نشأته الأولى"، حيث أتيحت له"إنشاء صورة جديدة للحياة الإنسانية". ولكن الظرف الحالي مختلف؛ حيث توجد الحركات الإسلامية في أكناف دول وقوانين، ستردع بالضرورة مثل هذه الإجراءات التي يقترحها الأستاذ، لكنه في (المعالم) يصر على أن تلك الطريقة التي ظهر بها الإسلام المبكر حتمية وعقائدية، ومن ثم لا مفر من وجوبية الالتزام بها في أي عصر ومصر؛ ويرى أن هذا المنهج "ليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى، إنما هو المنهج الذي لا يقوم الدين في أي وقت إلا به".  

 

غموض الأفكار

فضلا عن أن الأستاذ سيد قطب جاء ببعض المصطلحات الشرعية التي لها دلالات أصولية معينة وقرر أن يوسع من مداها؛ فحرر الجاهلية من دلالتها التاريخية وأطلقها على الأفكار والأيديولوجيات والمجتمعات والحضارات، كما وسع من دلالة بعض الأفكار الشرعية مثل: الإيمان والكفر والحاكمية، والتي عادة ما تتنزل على الأفراد، وقرر أن ينزلها على الشخصيات الاعتبارية العمومية مثل المجتمعات والمؤسسات.

 

ربما كان الأستاذ يأمل أن يفهم متلقي تلك الأيديولوجيا الجديدة أن عدم إسلامية المجتمع لا تعني ردة أفراده، ومن هذا قوله في "المعالم" "ينبغي أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون".

 

ومن هنا وقع التنازع حول القصد من كلامه، بعض الفقهاء رأوا أن ما قام به سيد قطب هو اعتداء على المنظومة الشرعية التقليدية، بحسب ما كتب الدكتور "يوسف القرضاوي"، بينما اعتبر البعض أن كلامه كان نقدا في الإطار الثقافي، وأن خروج المصطلح من دلالته الأصولية إلى الثقافية يعني توسيع دلالته كما يرى أنصار "سيد قطب".

 

قصة فكرتين

وبسبب ذلك الغموض أصبح لسيد قطب قراءتان: قراءة ألهمت الجماعات الجهادية الذين تعاملوا مع أفكاره تعاملا فقهيا، وقراءة ثقافية للذين تعاملوا مع كتبه باعتبارها كتباً في الفكر وليس في الفقه. ولأن الأستاذ سيد قطب لم يصرح بموقفه الشرعي من المجتمعات، ولم يحدد قصدية مصطلحاته ومفاهيمه التي يستخدمها، فقد تسير السبيل لتوظيفها من قبل البعض فهناك من وضعه في سند فكري ثوري جهادي، كان فيه فكر سيد قطب حلقة ضمن حلقات سابقة، حضرت فيها نصوص لابن تيمية و ابن القيم[1].

 

يقول الدكتور عبد الله عزام رائد "الجهاد الأفغاني": "وجهني سيد قطب فكريا وابن تيمية عقديا وابن القيم روحيا والنووي فقهيا، فهؤلاء أكثر أربعة أثروا في حياتي أثرا عميقا". وكذلك يذكر أبو قتادة عن الظواهري أنه عاش شبابه "منفعلا بما كتبه سيد قطب" إلى أن التقى شبابا مثله وأسسوا التنظيم، ويقول عن فكر سيد قطب: "إن الحركات الإسلامية توقفت عموما في التقدم نحو الأفضل، ومن الأمثلة الصريحة على ذلك صنيع الإخوان المسلمين؛ فقد كان سيد قطب رحمه الله تعالى هو النتيجة الجيدة، والموقع المتقدم بعد حسن البنا".

 

أما السياق الآخر فهو سياق الإخوان المسلمين الذين حاولوا أن يقرؤوا سيد قطب قراءة "إخوانية"، بعيدا عن القراءة "الجهادية"، وأنه جزء من المدرسة "الوسطية"، ويحاولون وضع الأستاذ في سند إخواني حتى يدفعوا عنه فكرة التكفير، وأنه يجب أن يُقرأ في ظل أدبيات الإخوان، وكتابات حسن البنا وعبد القادر عودة، وهذه الأدبيات تجعل من أفكاره نصا غير غير ثوري. هنا يمكن مراجعة دفاع أمثال المستشار سالم البهنساوي وسيد دسوقي وسيد نزيلي وغيرهم. والحقيقة أن منهج الأستاذ "سيد قطب" يختلف عن منهج الأستاذ "البنا"؛ والفرق بينهما هو الفارق بين من يدعو للاندماج والتأثير، والداعي للعزلة والصادم.

 

الإسلاميون في تلك اللحظة ليسوا في حاجة إلى مزيد من العزلة أو المفاصلة، أو الابتعاد عن حركة التطور. الحقيقة إن الإسلاميين في أمس الحاجة لأن يتحرروا من أي فكرة تعطلهم عن حركة التاريخالإسلاميون في تلك اللحظة ليسوا في حاجة إلى مزيد من العزلة أو المفاصلة، أو الابتعاد عن حركة التطور. الحقيقة إن الإسلاميين في أمس الحاجة لأن يتحرروا من أي فكرة تعطلهم عن حركة التاريخ
 
مساران

إذن، يبدو أمامنا أنه تم توظيف قطب في مسارين: جهادي عنيف، وإصلاحي اعتدالي، وساعد على ذلك بنية النص القطبي شديدة الأدبية والمجاز، وصرنا أمام نص مفتوح قابل للتحميل والتوجيه في أي مسار. والجميع حاول إعادة إنتاجه ليكون ملكا له وحده، مع أنه ليس نموذجا مثاليا للحالة الثورية أو الحالة الإصلاحية، بدليل أنه يحتاج إلى سند تفسيري يوضع فيه حتى ينطق بالموقف المراد.

 

ويقدم المفكر رفيق حبيب رؤية مهمة في سياق قراءة التيارات الإسلامية لنصوص قطب؛ حيث يرى أن إحدى أهم إشكاليات فكر سيد هي أنه حاول الجمع بين التغيير من أسفل والتغيير من أعلى، وحاول الجمع بين الموقف المتشدد من الواقع الراهن والموقف المعتدل ولذلك أصبح ما كتبه سيد قطب قابلا للعديد من التفسيرات، وجعله في نفس الوقت غير قابل للتطبيق، وبرأيه أن كل من انتمى لهذا المنهج إما تحول إلى المنهج الإصلاحي المتدرج، أو تحول إلى منهج التغيير بالقوة. 

 

ففي تسعينات القرن الماضي، بدا أن ثمة توافقا بين التيارات الجهادية والاصلاحية على التخفف من مرجعيته، خصوصا مع اكتشاف الفوارق العقدية الأساسية لكل تيار منهما، ومدرسة قطب، فالحركات الثورية العنيفة أصبحت أكثر سلفية، والحركات الإصلاحية التي بدأت تندمج أكثر في السياسة، قررت أن تبتعد عما يثير الالتباس من مقولات قطب، واستمرت تلك القطيعة حتى ما بعد ثورة 25 يناير، باستثناء لحظات الصدام أو المحن، فإن البريق يعود لنصوصه.

 

ما بعد النص الغاضب

ليس من المنهج القويم الحكم على أفكار شخص ما بالرفض أو القبول بشكل مطلق، لكن الواقع يقول: إن الإسلاميين في تلك اللحظة ليسوا في حاجة إلى مزيد من العزلة أو المفاصلة، أو الابتعاد عن حركة التطور. الحقيقة إن الإسلاميين في أمس الحاجة لأن يتحرروا من أي فكرة تعطلهم عن حركة التاريخ، وتعيق تقدمهم نحو الدولة الحديثة وتطبيق أفكار العدالة والديمقراطية، واستقراء قيمهم الحضارية والثقافية بقراءة معاصرة. مشكلتي مع فكر الأستاذ سيد قطب في محطته الأخيرة تكمن في نقطة محددة: هو أنه يضيع فرصتنا في التقدم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

[1] . وبحسب الأكاديمي "عبد الغني عماد" تقوم مقولات سيد قطب في تلك السلسلة، بإعادة شحن مصطلحات تراثية قديمة بدلالات حديثة وجديدة عبدالغني عماد "إنشاء الخطاب وتفكيك النص"" http://www.alsadrain.com/maowsoaa-/30.htm



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة