أما آن للمملكة العربية السعودية أن تحسم أمرها وتتسلم الراية؟

blogs السعودية

الإهانة البالغة التي وجهها الرئيس الأمريكي ترمب للمملكة العربية السعودية يوم 3 أكتوبر 2018 تعتبر إهانة لكل المسلمين على وجه الأرض. وقد سبق أن أطلق ترمب قبل ثلاثة أيام من ذلك التاريخ كلمات مماثلة، علماً بأنه ألمح إلى ذلك أيضاً في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر عندما قال أن هناك دولاً نحميها وعليها أن تدفع مقابل حمايتنا لها. وقبل انتخابه رئيساً بسنوات تكلم عن السعودية كلاماً سيئاً لا يطاق. ما يُحمد للرئيس الأمريكي أنه يفكر جهراً وهو واضح في ما يريد وعلى من يهمه الأمر التصرف.

 

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل المملكة العربية السعودية بحاجة ملحة فعلاً إلى الحماية الأمريكية لتضع نفسها في هذا الوضع المهين؟ وهل للقيادة السعودية بدائل يمكن أن تستغني بها عن الولايات المتحدة، أم عليها أن تصبر على هذه الإهانات بينما مواردها مستنزفة وسياساتها تائهة؟ وما هي القدرات المعطلة التي يمكن أن تتفوق بها السعودية على أمريكا وعلى العالم كله، ألم يحن الوقت لتحسم قيادة المملكة أمرها لتعود إلى موقعها الطبيعي في قيادة العالم الإسلامي؟ هذا ما سنجيب عليه في هذه المدونة وأرجو أن يتسع صدر من يهمه الأمر لأن مراد الكاتب ليس النقد، بقدر ما هو تنبيه عسى أن يصادف أهله.

 

من الأمور التي يجب التأكيد عليها في هذه المدونة أننا لا نتعرض لشرعية الحاكم في المملكة، لأن النظم الملكية تكتسب شرعيتها بالتوارث وما يحصل بين العائلة المالكة أمر داخلي قد لا يهم المسلمين كثيراً بقدر ما يهمهم السياسات وما يترتب عليها. المسألة الأخرى أن العالم الإسلامي يمر بأكبر فراغ سياسي في تاريخه المعاصر، ويبدو أن القيادات السياسية ليست مدركة لهذه التطورات باعتبار ما نرى من التمسك بالماضي. وهذا الفراغ السياسي تسعى جهات خارجية لملئه بأجنداتها الخاصة على حساب أجندة العرب.

 

المملكة العربية السعودية ليست بحاجة إلى التعرض لهذا الإذلال من الإدارة الأمريكية، ولا هي بحاجة إلى حماية أمريكية من الأساس، وذلك لسببين اثنين:

المملكة العربية السعودية وراءها ما لا يقل عن مليار ونصف مسلم في العالم جاهزون للدفاع عنها وللانقياد لها إن هي حزمت أمرها وتحملت المسؤولية التاريخية

الأول: المملكة غنية بغير النفط، بحكم أنها تحتضن الأراضي المقدسة حيث يزورها ما لا يقل عن 6 ملايين زائر سنوياً في موسمي الحج وعمرة رمضان، هذا ناهيك عن زيارات المسلمين للأراضي المقدسة على مدار العام. ولكي ندرك حجم الأموال التي تحصل عليها المملكة، يمكن نقارن ذلك مع استضافة كأس العالم مثلاً. الدول تتنافس تنافساً شرساً حتى تفوز باستضافة كأس العالم، علماً بأن عدد المشجعين الذين يسافرون لحضور المباريات لا يبلغ المليون، فضلاً عن أن الحدث نفسه لا يتكرر! الدخل السنوي للحج والعمرة يبلغ حوالي 12 مليار دولار وفقاً لتقديرات الاقتصاديين. وهذا يعني أن المملكة لا يمكن أن تتعرض لأي هزة اقتصادية حتى لو توقف النفط أو نزلت أسعاره أكثر من اللازم. وهذه ميزة لا تتميز بها أي دولة في العالم، بخلاف السعودية!

 

ثانياً: المملكة العربية السعودية وراءها ما لا يقل عن مليار ونصف مسلم في العالم جاهزون للدفاع عنها وللانقياد لها إن هي حزمت أمرها وتحملت المسؤولية التاريخية. ولئن دان العالم بأسره لأمريكا بحكم جبروتها وتفوقها العسكري – أي قوتها المادية – فإن العالم الإسلامي مستعد لأن يدين لحكام المملكة العربية السعودية بالولاء طوعاً وإخلاصاً بفضل القوة الروحية. وبهذا تستطيع السعودية أن تقود العالم بأسره طالما امتلكت هذه القوة الروحية بجانب القوة المادية.

 

على القيادة السعودية أن تدرك أن الرئيس ترمب رجل لا يملك فكراً، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تمر حالياً بمرحلة من الفراغ الفكري قام بملئه اليمين المسيحي المتطرف. ومن هنا فإن سياساته المعادية للإسلام والعرب واللاجئين ليست سياسات الحكومة الأمريكية وإنما هي سياسيات اليمين المسيحي التي تستهدف المملكة السعودية بصورة مباشرة. المقصود إذن هو إضعاف المملكة من خلال مثل هذه الإهانات ومن ثم استنزاف ثرواتها والقضاء عليها أخيراً لرمزيتها الإسلامية.

 

وعلى قيادة المملكة أن تدرك أن التغيير سنة الحياة ومسألة حتمية، وكون المنطقة متجهة إلى تغيير جذري هذه مسألة ليس فيها نقاش. وبالتالي فإن أي محاولة لإيقاف عجلة التغيير سيؤدي إلى تبديد الموارد وإهلاك الأنفس، وما أحوج الأمة إلى هذه الموارد والأنفس من أجل البناء والتعمير! ومن الحكمة أن تتولى المملكة قيادة التغيير وتوجيهه لتحدد هي بنفسها موقعها في الخارطة التي ستتشكل، بدلاً من أن تنتظر وتقاوم لتجد نفسها في مكان قد لا ترغب أن تكون فيه. وليس من الحكمة التدخل في شؤون البلدان الأخرى وفرض إرادة مخالفة لإرادة الشعب كما في مصر وليبيا وبصور مختلفة في بلدان الربيع العربي. على المملكة أن تترك الأمور للشعوب العربية لتقرر، وأن تكون إرادة الشعوب هي الحاكمة، هذه لازمة من لوازم التغيير القادم. ولكن، كي تتولى المملكة العربية السعودية مكانتها الرائدة والطبيعية في قيادة العالم الإسلام يتعين عليها وضع استراتيجية طويلة الأمد قوامها ما يلي:

توحيد الجبهة الداخلية:

حكومة المملكة بحاجة إلى بناء وحدة وطنية قوية والاستفادة من مواردها البشرية ممثلة فى علماء الدين القابعين خلف القضبان حالياً ومعهم النشطاء السياسيين وكل سجناء الرأي. لأن هؤلاء جميعاً ليسوا معارضين لحكم آل سعود وإنما لهم رأي في سياسات محددة اتخذتها الحكومة وأعتقد أنه من الحصافة بمكان الاستماع لأصحاب الرأي خاصة ونحن في زمن معقد تعقيداً شديداً يصعب معه الاعتماد فقط على رأي الزمارين والطبالين من أصحاب المصالح الذاتية. الرأى الآخر مهم جداً في هذه المرحلة ويعتبر مكملا للرأي الرسمي لأنه يعزز من قوة القرارات التي تتخذها الدولة. الوحدة الوطنية تتعزز أكثر عندما تتخذ الدولة مسافة واحدة من مواطنيها ولا تحاسب الناس على قناعاتهم الفكرية أو انتماءاتهم السياسية، طالما التزموا بالقانون. تماسك الجبهة الداخلية كفيل بتعزيز اللحمة الوطنية لمجابهة التهديدات الخارجية، وما أكثرها.

 

احتضان المسلمين بكل طوائفهم:

لابد من أن تكون الدولة محايدة تجاه كل الطوائف الإسلامية والتيارات السياسية والفكرية. ذلك لأن هؤلاء جميعاً يشكلون نواة الأمة الإسلامية. وبالتالي فإنه من العبث بمكان تصنيف تيار سياسي معين ثم حشد الموارد لمحاربته مع أنه لم يحدث أن شكل خطراً، سواءً على مستوى سلوكه أو على مستوى فكره، بل يمكن الاستفادة منه في حركة الإصلاح السياسي وبناء الدولة الحديثة. الدولة بحاجة إلى كل صاحب فكر من مختلف التيارات السياسية وهذا يتطلب منها الوقوف بمسافة واحدة من كل التيارات يمناً ويساراً، مسلمين وغير مسلمين، شيعة وسنة.

 

إزالة آثار السياسيات الخاطئة في الفترات الماضية:

السياسات الخاطئة في الفترات الماضية هي التي مكنت الحوثيين في اليمن، سعياً لإضعاف حزب الإصلاح – أكبر جماعة سنية كان يمكن أن تشكل العمود الفقري لحلفاء المملكة في اليمن. والسياسات الخاطئة هي التي مكنت الشيعة في العراق وأضعفت السنة وهي نفس السياسات التي أضعفت السنة في لبنان وسوريا. السياسات الخاطئة هي التي أجهضت حلم المصريين في دولة حديثة ونظام سياسي راشد يختار قيادته السياسية عبر صندوق الاقتراع، ومكنت للسيسي الذي نجح في إيقاف عجلة الحياة تماماً وأرجع المصريين إلى العهود الفرعونية. ونفس السياسات أوقفت الثورة السورية وأعادت الوضع لصالح النظام. المملكة بحاجة إلى تصحيح هذا الوضع واتخاذ نهج فكري عروبي إسلامي يحتمي فيه كل الناس.

 

التعاون مع البلدان الإسلامية الناشئة كتركيا لتقديم أنموذج للإسلام المعتدل:

لا شك أن تركيا حالياً تمثل أعظم دولة إسلامية يستطيع رئيسها أن يقول للولايات المتحدة "لا". وأعتقد أن من الحكمة أن تشكل المملكة مع تركيا تحالفاً إسلامياً قوياً يحفز الدول الإسلامية الأخرى الخائفة من أمركيا وفي نفس الوقت يحفز التقدم والتطوير في العالم الإسلامي. تركيا من ناحيتها لا تعتبر السعودية منافساً لها، بل العكس على الرغم قوتها العسكرية والاقتصادية فإنها لا تمانع أن تتسلم المملكة العربية السعودية قيادة العالم الإسلامي. التحالف السعودي التركي (إن حدث) سيكون من شأنه ان يشكل نواة لكتلة إسلامية سنية قوية اقتصادياً وعسكرياً جديرة بأن تردع المد الشيعي المستفيد من الفراغ السياسي القائم حالياً من ناحية وردع أي تطلع خارجي لإضعاف المسلمين. 

 

العدو الرئيسي للأمة هي إسرائيل، لأنها احتلت الأرض وقتلت وشردت أهلها وتتوسع يومياً في ابتلاع الأراضي الفلسطينية. إسرائيل لا تريد السلام، بل تريد أن تفرض نفسها على الدول العربية وتفرض أجندتها، دون مقابل!
العدو الرئيسي للأمة هي إسرائيل، لأنها احتلت الأرض وقتلت وشردت أهلها وتتوسع يومياً في ابتلاع الأراضي الفلسطينية. إسرائيل لا تريد السلام، بل تريد أن تفرض نفسها على الدول العربية وتفرض أجندتها، دون مقابل!
 
تبني أجندة وطنية واضحة قوامها الشفافية وخدمة المصالح الوطنية:

الأجندة الوطنية غائبة حالياً في أغلب السياسات الخارجية للمملكة. والأجندة المطروحة هي في الغالب أجندة الأطراف التي تريد أن تستفيد من الفراغ السياسي الحاصل في العالم العربي وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة. من بين هذه الأجندة مسألة صفقة القرن التي يقف وراءها اليمين المتطرف من أجل تصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائل، ومسألة الحرب المحتملة مع إيران والمقصود استنزاف موارد المسلمين في حروب داخلية. وقد يقول قائل بأن إيران تفعل كذا وكذا، ونقول نعم هي تفعل عبر وكلائها حتى تستفيد من الفراغ المذكور. ومن بين أجندة الغير مسألة الحرب على الإرهاب، وكلنا يعرف من هو الذي تسبب في ظهور الإرهاب تمويلاً وتشجيعاً! فالحرب على الإرهاب مقصود به إحداث شرخ في الجبهة الداخلية من خلال اتهام جماعات سياسية بعينها وضربها لأنها ترفع اسم الاسلام وهو أمر لا يروغ لليمين المتطرف الحاكم في الغرب. إذن، مطلوب من المملكة تبني أجندة وطنية وعندما أقول وطنية لا أعني بالضرورة السعودية كدولة وإنما السعودية كمشروع إمبراطورية تمتد من السنغال إلى جاكرتا ومن إسطنبول إلى موزمبيق، أجندة يجد فيها كل مسلم نفسه.

 

إعادة ترتيب أولويات الأمة:

فالعدو الرئيسي للأمة هي إسرائيل، لأنها احتلت الأرض وقتلت وشردت أهلها وتتوسع يومياً في ابتلاع الأراضي الفلسطينية. إسرائيل لا تريد السلام، بل تريد أن تفرض نفسها على الدول العربية وتفرض أجندتها، دون مقابل! أما إيران، من الناحية الأخرى، فدولة إسلامية عضو في رابطة العالم الإسلامي. صحيح لها أطماع في المنطقة العربية وتستغل وكلائها مستفيدة من الفراغ السياسي الذي أشرت إليه من قبل. إذا استطاعت السعودية أن تنهض وتملأ هذا الفراغ فإن إيران تلقائياً ستنكمش. وبالتالي لسنا بحاجة إلى حشد الجيوش بتحريض من العدو الظاهر لتبيد مواردنا واستنزاف ثرواتنا المستنزفة أصلاً.

 

إنشاء مؤسسات مالية وخيرية تعنى بقيادة التنمية المستدامة في بلدان العالم الإسلامي:

بما أننا اليوم في عالم تقوده المنظمات فإن المملكة العربية السعودية بحاجة إلى إنشاء منظمات ودعم الموجودة منها على غرار المنظمات الغربية المنتشرة في العالم والمدعومة من الأنظمة الغربية. المنظمات الإسلامية العاملة في مجال العمل الإنساني حالياً هي عبارة عن مبادرات فردية لا تقف وراءها أي دولة، بل العكس عملها مقيد ومراقب حتى لا تقدم مساعداتها باسم الإسلام وإلا اتهمت بدعم الإرهاب، والإرهاب هو نشر الإسلام.

 

نرجو أن تكون إهانات القيادة الأمريكية للمملكة العربية السعودية وقيادتها بمثابة الصفعة التي توقظ النائم لينهض ويتدارك أمره قبل فوات الآوان. فالعالم الإسلامي متألم ويتأوه من حالة الضعف التي أصابت المسلمين حتى أصبحوا كالأيتام في مائدة اللئام، وتوجه لهم الإهانات من أراذل القوم، في الوقت الذي ينعمون فيه بقوة مادية وروحية لا تُضاهى! أما آن للمملكة العربية السعودية أن تحسم أمرها وتتسلم الراية؟