ما هو الحبُ.. سكن أم وثن؟

أخفت الأبجدية في ثنايا اتساعها وعراقة امتدادها، جنيناً ما لبث أن ظهرت ملامح وجوده على محيا أمه التي خبأته في وتين الحاء وألبُبِ الباء، داهم الأم الرؤوم الحنين وباغتها الشوق وزارها الكلف ومكث لديها الوله، وتناوب عليها الهوى والصبا، فامتلأت وجداً وفاضت شغفاً، فتمايلت عشقاً، واتزنت حينما هامت في ربوع المودة وروابي الرحمة، ولما استقام أمرها وحسُن شعور لبها، حملت جنين الروح المخبأ في حجرات القلب ونبض الفؤاد، وانتبذت به تحت ظل اطمئنان، هزت بجذع السكينة فأمطر عليها غيث الود والوداد، تلوت أبجديتنا وتأوهت لما جاءها المخاض، وفي حين أمل، أبصرت وليد روحها وبضع كلها، وهنا.. وقعت في فخ الحيرة، وآفة الاختيار.

ما هو الحب؟ صدق أم وفاء، احترام أم تفاهم، تأقلم أم اختيار، قد يكون مودة تملأ الحياة رياحين سعادة، وقد لا يكون إلا ملكية قلب وفؤاد، وما أغلاه من ملك وما أعظمه من استحواذ، ولربما يكون اهتماماً، يغني الواحد عن الكل فيكون الوطن والموطن، الصاحب والأهل، الحياة والمحيا، ويصحُ أن يغدو رحمة تتقلب في أنحاء العمر لتضفي عليه عبق الاستمرار، ولا بأس أن يصبح الحب حنينا وحنانا يفوح من سلوك الحبيب والمحب.

أيقنت الأم أن مسمى وليدها لن يعدو عن كونه سكناً أو وثناً.. ما بين ليلى ومجنونها، وعنترة وعبلى، نُصِب وثن الحب، وأقيمت على حوافه القصائد الكبار، وسكبت في نواحيه القوافي الطوال، واُنتزعت سكينته، ليغدو من نار ونيران، تقتات على المشاعر وتُفدى بالأعمار، تهافتت الأرواح من كل حدب وصوب، لتطوف حول هذا الوثن الذي خطف راحتها، فجدت السعي نحوه عله يطفئ ألمها، وعند الوصول، طافت الأرواح سبعاً للحصول على شربة سكنٍ وسكون. لكن الوثن لم يكن ليضر أو ينفع هو مجرد من حقيقته السامية، أجوف، هش، لا يعدو عن كونه أنات محب وكبر حبيب، وغزل شاعر، وكبرياء أنثى، وأدمع صادق، ونكاية كاذب، الوثن الذي عبدته الأرواح لم يكن ليحمي نفسه، أيحيا الحب في مستنقعات الحزن والآلام؟ أيعيش الحب بين الكذب والخداع؟ أيكون الحب ضعيفاً ساذجاً لا يخرج عن كونه حاء وباء؟

الحب الخالد، الذي لا ينتهي بزمن أو مكان بل يتوج بالزواج كثمرة أينعت فحان قطافها على شكل رباط وثيق، عقدة سرمدية تزداد تأصل في النفس كلما صقلت بالأعوام وامتحنت بالآلام

الحب الذي لا ينتصر لهويته السامية لن يكون إلا فتات عاطفة وبقية مشاعر، تناولت الأرواح فأس الحقيقة، وبضربات الثأر، هُدم الوثن وصمدت أطلاله لتقول للمقبلين والمدبرين، أن حباً أبتر لا يدوم، ولا يقوى على الإكمال، وأنه مهما عظم في عين صاحبه، سيؤول للخفوت رويداً رويداً حتى الانطفاء الأخير، لكن الحب الحقيقي يمثُل سكناً ومسكناً وسكينة للأرواح المتعبة، يزيل الأذى، ويبعد الألم، ينفخ المحبة على الأضلع كبلسم لجراح الحياة، فيلقي بتعويذة القوة على روح المحب ليقوى بحبه ويزداد إيمانا بصدق مشاعره وسمو عواطفه، تذوب الأنا والأنت، تتماهى في روابي اللقاء، وتسقي برعم السعادة في ظل الوداد، تغدو الروحان في جسد والجسدان في روح، تنساب الطمأنينة وتنسل من الألباب كرزق وُهب من رب الأرباب.

(إني رزقت حبها) قالها المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم في توصيف المحبة على أنها رزق سماوي يؤتيه الله لمن يشاء.. تُقذف تلك النجمة في كل قلب قد تاق للسكن، فسكَنت روحه بها وسكُنت حياته فيها، تزداد النجمة ألقا مع مرور الأيام، أليس وميضها من صدق، وبريقها من اهتمام، وضؤوها من احترام، فكيف تخمد؟ وقد جُبلت على أسس الاستمرار، النجمة ماضية في سموها لا تخبو بليل ولا تأفل بسواد.

هذه هي حقيقة الحب الخالد، الذي لا ينتهي بزمن أو مكان بل يتوج بالزواج كثمرة أينعت فحان قطافها على شكل رباط وثيق، عقدة سرمدية تزداد تأصل في النفس كلما صقلت بالأعوام وامتحنت بالآلام.. تحت ظل الوفاء وعند شجرة الإحسان، بايعت القلوب بيعة حب كلل بالزواج، تشابكت الأيدي وأقسمت الأفئدة أن لا فراق ولا موت لحب نما وتنامى بسقيا الحنان وغيث الاطمئنان، فأورقت الألباب مودة وأزهرت الأنفس رحمة، فثبت الحب ونبت، حيث أن أصله صدق وفرعه غمام من حبر الأشواق، لتخط رحلة العمر الجميل خيل المحبة والوئام.. فما الحب إلا سكن وما السكن إلا حب.



حول هذه القصة

تستضيف العاصمة السعودية الرياض غدا الثلاثاء العرض الحصري لفيلم “هانتر كيلر” بحضور النجم الأميركي العالمي جيرارد بتلر، الذي سيحضر لأول مرة للمملكة وسيعقد مؤتمرا صحفيا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة