شعار قسم مدونات

هل سنندم يوماً ما لأننا لم نعش في المستقبل؟

blogs المستقبل

مَنْ مِنَّا لم يُشاهِد أفلام الخيال العلمي وهي تأسر الألباب وتضعنا أمام عالم جديد من ‏التطوُّر والتقدُّم!، مَن مِنَّا لم تسحره التكنولوجيا الجديدة بتقنياتها وما تقدِّمه من راحة ومُتعة!، ‏حتى تساءل البعض عمَّا ستكون عليه البشريَّة في مُستقبلها القريب والبعيد، فتمنَّى أن يكون في ‏المستقبل ويحظى بتلك المتعة والإثارة كما كان يُشاهِدها في أفلام الخيال العلمي.

القصة تبدأ من هُنا عند بداية الخلق، وكيف خلق الله تعالى هذه الكائنات، وأبدعها في ‏أجمل صورة، وجعل لها بداية ونهاية، تعمل وتتطور وتُنتج لتؤدِّي الرسالة التي أُوكلتْ لها، ولذلك ‏كان لوجود الإنسان في هذه البداية والنهاية وضع خاص، وهو وجود تطوُّري وليس وجوداً لحظياً، ‏وهو يسعى دائماً في وجوده للوصول إلى الكمال ويواكب كلَّ جديد، والدليل على ذلك أنَّ القرآن ‏يدلِّل في بعض آياته على فكرة أنَّ الكون قد مرَّ بمراحل متطوِّرة حتى وصل إلى الكمال الحالي في ‏الكون، فقال تعالى:‏ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ ‏شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأنبياء: )30. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ ‏لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (سورة فصلت: 11).‏

وكذلك أيضاً النوع البشري في تطوره ونظرته للمستقبل مرَّ بمراحل خاصة أيضاً، ولا يعني ‏ذلك أنَّني أُناصِر نظريَّة التطور لتشارلز داروين (‏‎ (Charles Darwinوادعائه أنَّ الإنسان تطوَّر من ‏نشأة حيوانيَّة حتى صار على ما صار عليه اليوم، بل إنَّ النشأة الإنسانيَّة مختلفة تماماً في بدايتها ‏عن خلق السموات والأرض وخلق الكون، وقد صرَّح القرآن الكريم بذلك فقال تعالى:‏‎ ‎﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ ‏سِرَاجًا‎ ‎، وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا،‎ ‎ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (سورة نوح: 17).‏

لا ندري ما يُخَبِّئ لنا المستقبل القادم، ثمَّ إنَّ لكل واحد منَّا وظيفة وغاية ‏في هذه الحياة، ولكل منَّا بداية ونهاية تترك أثراً يُتمِّم معنى هذا الوجود في تطوُّره ويخدم الأجيال ‏القادمة

ويعني ذلك أنَّ نشأة الإنسان تختلف عن نشأة الكون، وهي تشبه البذرة في نشأتها ‏وتطوُّرها إلى موتها وفنائها كما يحصل للإنسان، وهي موجودة قبل خلق الله للكون، ويمكن ‏تسميتها (بالبذرة الإنسانية)، وقد تتعدَّد في أطوارها ومراحلها كما وصفها الله عز وجل فقال:‏ ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن ‏مَّاءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ‏‏(سورة السجدة: 7،8،9). ‏

وهُنا يأتي السؤال: هل حياتُنَا اليوم في تطوُّرها وما فيها من رفاهيَّة وبزخ هي نوع من هذا ‏التطوُّر في أشكاله وتصوُّراته؟ أم أنَّنا نشهد حالة طبيعيَّة عاشها مَن قبلنا وتأقلموا معها حتى ظنُّوا ‏أنفسهم في قمَّة ما قد يصل إليه العالَم مِن تطوُّر وتقدُّم!، ثمَّ يأتي جيل جديد يُظْهِرُ لِـمَن كان ‏قبلهم أنَّهم كانوا في البدايات فقط، وهُنا نُدرك أنَّ الوجود الإنساني في هذا الكون البديع المعقَّد هو ‏امتداد لهذا التطوُّر وسلسلة تتكامل جزئياتها لتتمثل في مفهوم الخلافة التي تحدَّث عنها القرآن ‏الكريم بقوله تعالى:‏
‏﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ‏وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة:30).‏

هل سيغدو ما نراه اليوم من وسائل وتقنيات حديثة كالسيارات الفخمة (‏Self-driving ‎car‏) والهواتف الذكيَّة (‏Smartphone‏) وغيرها من الاختراعات التكنولوجية الباهرة، والإنترنت ‏‏(‏Internet‏) وما فيه من معلومات شيئاً من التراث القديم، يتداوله الجيل الجديد على أنَّه فترة ‏عاشتها البشريَّة في مرحلة من مراحلها تطوُّرها؟، وهو أمر قد يحصل بالفعل.‏

وقد يأتي أحد ما ويتحسر على المستقبل المجهول – وهو ما لا نقبله – فيتمنى لو كان واحداً ‏من تلك الشخصيات الخياليَّة التي نشاهدها في أفلام الخيال العلمي وهو يرتدي بذلة الرجل ‏الحديدي (‏Iron Man‏) ليطير ويتنقل بسرعة خياليَّة لا نراها إلا في أفلام هوليوود (‏Hollywood‏)، ‏وهو أمر غير ممكن الآن، ولا ندري ما يُخَبِّئ لنا المستقبل القادم، ثمَّ إنَّ لكل واحد منَّا وظيفة وغاية ‏في هذه الحياة، ولكل منَّا بداية ونهاية تترك أثراً يُتمِّم معنى هذا الوجود في تطوُّره ويخدم الأجيال ‏القادمة، ولذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ‏"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" ‏‏(رواه الإمام أحمد).‏

ويمكننا أن نفهم معنى (غاية هذا الوجود) في عبادة الإنسان الله وحده كما أخبر الله تعالى: ‏‏﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، ومعنى (تطوُّره الوجودي) في كونه خليفة ‏الله في أرضه يسعى فيها إلى الكمال من ولاته إلى حين وفاته، ويرتقي بالبشرية في نقلتها الحضاريَّة ‏وتقدُّمها، فيترك بصمة الخلافة، فيَسعد هو وغيره بها، وعلى قدر امتثال الإنسان بهذه الغاية التي ‏خُلِقَ من أجلها، على قد ما تكون حياته أكثر فعاليَّة، وأكثر سعادة وهناء.‏

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.