سفارات بلادنا.. أكثر مكان نخشاه في الغربة!

blogs لجوء

من المعروف أن السفارات والقنصليّات لأيّ بلد تكون الملجأ والملاذ الآمن لرعاياه في حال تعرّضهم لأيّ مشكلة أو تهديد في بلدان الاغتراب، كما أنّه من البديهي أيضا أن تكون تلك السفارات لجميع حاملي جنسية ذلك البلد دون استثناء أحد وأن تقدّم لهم الخدمات والتسهيلات والمعاملات التي يطلبونها دون تفريق بين أحد منهم بحسب توجّهاته السياسيّة أو الدينيّة، ولكن كما هو الحال في جميع مجالات الحياة لبلداننا العربية رأي آخر وتعامل مختلف حيث أصبحت سفاراتنا فروعاً أمنيّة بامتياز تقدّم تقارير دوريّة عن بعض الأشخاص الّذين يطلب منها مراقبتهم أو عرقلة معاملاتهم بل حتّى وصل الأمر إلى إخفائهم كما حصل مؤخراً مع جمال خاشقجي.

ما حدث مع الخاشقجي هو أكبر من مسألة اعتقال أو بالمعنى الأصح "إخفاء" كاتب معارض لبعض سياسات حكّام بلده، الأمر يتعدّى ذلك بكثير فأوّلاً هو اعتداء على سيادة دولة مثل تركيا وإلحاق ضرر كبير في هيبتها كملاذ آمن للهاربين من الاضطهاد والاستبداد، سيَم وأنّها ليست العملية الأولى من نوعها الّتي استهدفت أشخاصاً معارضين لحكومات بلادهم فيها فقد سبق إلى ذلك نظام الأسد حيث قام باختطاف حسين هرموش مؤسّس الجيش الحر في سوريا وإظهاره فيما بعد على وسائل إعلامه وهو يدلي باعترافاته، وبالتالي توسيع كبير للهوّة الّتي هي أصلا موجودة بين تركيا والسعودية، وثانياً هي رسالة لكل معارضي النظام السعودي الجديد أن لا مكان آمن لكم لا في الوطن ولا في الغربة حتّى تعودوا لبيت الطّاعة، وثالثا هو استكمال لسياسة النّظام السعودي الجديد القائمة على معاداة الشعوب ودعم الأنظمة المستبدّة والانقلابات فما من شيء تستعدي به الشعوب أكثر من اعتقال رموز أثّرت فيهم من دعاةٍ وكتّاب وصحفيين وغيرهم.

ما أشدّ غربتنا حين تكون إجباريّة ومحاطة بالخوف والإحساس بالقهر كلّما خطرت في بالنا المقارنات مع الشعوب الأخرى الّتي نحتكّ بأفرادها يوميّا ونرى بأعيننا طريقة اهتمام حكومات بلادهم بشؤونهم

وفي العودة إلى مسألة تحوّل سفارات بعض الدول العربية إلى أفرع مخابرات أروي تجربتنا كسوريين معها، فبعد أن فشلت المعارضة السياسية لدينا في إثبات مكانها على الساحة الدوليّة وانتزاع شرعيّة تتيح لملايين المهجّرين على أقل تقدير تسيير معاملاتهم في بلاد اللجوء والاغتراب بعيدا عن سفارات النّظام فقد باتوا مضطرين للتعامل معها في تجديد جوازات سفرهم وتسيير معاملاتهم الضروريّة للبقاء في بلدان اللجوء بدلاً من العودة إلى جحيم بلادهم وكلّ واحد منهم بحسب ألف حساب ويقرأ "وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا" قبل الدخول إلى تلك السّفارات فضلا عن تعرّضهم فيها لشتّى أنواع الإهانات والمعاملة السيّئة، ما دفع الكثيرين أيضاً إلى السّعي وراء تحصيل أيّة جنسيّة أخرى تتاح لهم يحصلون فيها على أدنى درجات الحماية والمعاملة كباقي البشر.

أذكر في العام 2016 حين اندلعت الاشتباكات والمعارك في جنوب السودان حيث إقامتي وكيف لجأ جميع الأجانب إلى سفارات وقنصليّات بلادهم هنا والّتي بدورها قامت بالتنسيق مع حكوماتها الّتي أرسلت الطائرات لإجلاء رعاياها، كنت أضحك كثيرا عندما يسألني أحدهم عن عدم قيام "حكومة بلادي" بذات الخطوة فعدا عن أنّه لا توجد سفارة أصلا هنا فما كان يجري هو مجرد لعب مقارنة بالجحيم التي كانت عليه أوضاع سوريا حينها، كما أنه لا وقت لطائرات النظام الّتي كانت الحربيّة منها مشغولة بقصف من تبقّى في البلاد والمدنيّة لا مكان فيها إلا للذخائر والأسلحة والمرتزقة المقاتلين إلى جانب قوّات الأسد.

ما أتعسنا بهكذا بلدان تحوّلت لجحيم يطاردنا حتّى في المنفى، وما أضيق العيش لمن يحملون جنسيّتها فقد كتب عليهم فيها إلى جانب الاسم وتاريخ الولادة تاريخ الاغتيال أو الاعتقال أو فترة العبوديّة، وما أشدّ غربتنا حين تكون إجباريّة وفوق ذلك كلّه محاطة بالخوف والإحساس بالقهر كلّما خطرت في بالنا المقارنات مع الشعوب الأخرى الّتي نحتكّ بأفرادها يوميّا ونرى بأعيننا طريقة اهتمام حكومات بلادهم بشؤونهم وأمنهم في مشارق الأرض ومغاربها.