الهجرة نحو الغرب.. من يوقف نزيف العقول ويبعث فينا الحياة؟

في كل عامٍ يعاد النقاش ويتكرر بنفس الوثيرة والحدة ملخصاً في سؤال شامل. علامة استفهام توجز الوضع وتختزله في جملة واحدة: لمَ كلّ هذا النزيف؟ نزيف حادٌ يتركُه هذا الركبُ المهاجر نحو أوروبا، وكأن العدوة الجنوبية للمتوسط جهنم والجنة في الجهة الشمالية. نزيف الأدمغة نحو الغرب، هل هو هروبٌ من الوضع الراهن للدول الأفريقية والعربية؟ أم هو حقٌ إنساني للبحث عن حياة أفضل؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها أمام واقع يستفز فينا جميعا غريزة السؤال.

لقد كان الوضع في المغرب قبل الاستقلال يدفع الشباب نحو أوروبا بحثاً عن فرص الدراسة في المعاهد والجامعات الغربية الراقية، وبالتالي الحصول على امتياز يسهل أمام الشاب فرص الاندماج السريع في سوق الشغل والوظيفة. ثم سرعان ما سار الوضع مستفزاً بعد الاستقلال إذ تقول الاحصائيات بأن عددا لا يستهان به من الأدمغة تهاجر في كل سنة. نتحدث هنا عن الأدمغة والكفاءات النوعية من مهندسين ومخترعين وأطباء أكفاء ومثقفين وكتاب.. وما إلى ذلك من الوظائف المؤثرة في المجتمع.

لعلنا لا نجهل أن أوروبا أفضل حالاً من المغرب من حيثُ ظروف العمل. لذلك تلتجئ هذه الكفاءات نحو بلدان أوروبية رغبة في تحقيق ذاتها والحصول على ظروف عمل جيدة. فالقطاع الصحي مثلا في عالمنا الثالث يعيشُ أزمة خانقة لا توفر ظروف الاشتغال الصحية، عكس نظيراتها من القطاعات الغربية. أضف إلى ذلك كثيرا من الامتيازات التي يحصل عليها المهاجرون في دول الاستقبال، كالرفاهية مثلا ونسبة الأجور العالية. بحيث تجذب الأجور والمرتبات العالية التي توفرها الدول الغربية للأدمغة والكفاءات النوعية مقابل العمل والاختراع.

الغربة التي يعيشها المخترع المغربي، المثقف والمهندس وصاحب كفاءة خاصة ونوعية، تدفعهم نحو البحث عن سبل العيش الكريم في الغرب

تستقبل الدول الغربية أدمغة مغربية بشكل يومي محاولة منها في الاستفادة من طاقاتهم ومؤهلاتهم الفكرية والعقلية وابتكاراتهم. فالدول المستقبلة ككندا مثلا، تضع برنامجا خاصا للكفاءات توظفها في سبيل الاستفادة منها وذلك لخلق تنمية حقيقية وبناء مجتمع متنوع يوفر الفرص للجميع بقدر المساواة. الوضع السياسي والحقوقي يجذب المثقفين والأدباء هروبا من واقع بلدانهم. فأوروبا مثلا تضمن للمثقف مساحة حرية للحديث والتعبير. كما تتضمن ترسانتها القانونية حصانة للمثقفين للتعبير عن آراءهم وأفكارهم، مما يدفع الكفاءات المثقفة للهروب نحو الضفة الأخرى.

إن ظهور وظائف وعلوم جديدة كالفضاء والفيزياء وعلوم خاصة أخرى لا توفرها الدول العربية والأفريقية، تجعل العالم المغربي والأفريقي، ومن حقه أن يفعل، يسعى للبحث عن فرص عمل واندماج داخل مؤسسات غربية تلبي طموحاته وتحتضن كفاءته وأفكاره. الحرية التي توفرها المؤسسات الغربية تخلق لدى الأدمغة المهاجرة رضى مهني، يجعلهم يشعرون بالرضا لما يقدمونه وما يأخذونهم في مقابل ذلك من استشعار للتقدير والتكريم الرمزي عبر الولاء للمؤسسة ومشروعها. كما توفر المؤسسات هذه فرصا للعطاء والابداع عبر خلق فضاء يحتضن الأفكار والمشاريع ويمنح فسحة للتعبير عنها وبلورتها فيما يخدم المؤسسة التي يشتغل فيها.

الغربة التي يعيشها المخترع المغربي، المثقف والمهندس وصاحب كفاءة خاصة ونوعية، على سبيل المثال في مجتمعه نظرا لعدم توفر مؤسسات تتبنى مشاريعه وأفكاره، ثم لنظرة الدولة لهذه الفئات الخاصة نظرة نفور وتهميش، تدفعهم نحو البحث عن سبل العيش الكريم في الغرب. إذ لا تتوفر لدى هذه الفئات فرص اندماج حقيقية في بلدهم، بالإضافة إلى تجاهل المؤسسات المشغلة، بما فيها مؤسسات الدولة، للكفاءة وتوظيف الشاب في مجال لا يلائم طموحاته وأفكاره. ففي الإدارة العمومية مثلا، يكون الولاء للرئيس ويخضع الرضا المهني لرغبة الرئيس ومدى توافق الموظف ورئيسه المباشر. كما لا تتوفر لدى المؤسسات نظرة بعيدة المدى واستراتيجية عمل، بحيث تكون الإدارة خاضعة لروتين اعتيادي لا يمنح للموظف فرصة للتعبير عن مؤهلاته وأفكاره.

رغم ما تبذله الدولة من مجهودات للحفاظ على أطرها وكفاءاتها، إلا أن مجتمعاً لا يقدر أصحاب نسب الذكاء غير العادية يدفع بهم إلى الهروب. هروبٌ يخلف جروحا بليغة في وطنٍ يحتاج جهود أبنائه وأفكارهم جميعاً
 

يخضع المثقف في المجتمع المغربي لضغوطات كثيرة. لعل أبرزها نظرة المجتمع للفئة المثقفة وصعوبة اندماجهم في محيطهم. الشيء الذي يخلق عند الكاتب والمؤلف شعوراً بعدم الرضا ورغبة ملحة في الهروب من أحل تحقيق الذات. كما تزعج مساحة الحرية التي تتقلص باستمرار حفيظة المثقفين والكتاب، إذ تضع الدولة ترسانة قانونية وخطوطا حمراء تقف سدا منيعاً أمام تطور الأفكار، رغم ما تبذله الدولة من جهود لتوسيع مساحة حرية التعبير.

ورغم ما تبذله الدولة من مجهودات للحفاظ على أطرها وكفاءاتها، إلا أن مجتمعاً لا يقدر أصحاب نسب الذكاء غير العادية يدفع بهم إلى الهروب. هروبٌ يخلف جروحا بليغة في وطنٍ يحتاج جهود أبنائه وأفكارهم جميعاً. الوضع لا يحتاج منا كثير تفكير لتشخصيه، تكفي نقرة واحدة على محركات البحث لتكتشف مدى هول النزيف الذي يعيشه المجتمع. أشياء كثيرة ودوافع مختلفة وأشكالا من المبررات تدفع بالكفاءات النوعية للهجرة، ثم وضعاً تصفه الألسن بالمتأزم اجتماعيا خلق موجة هجرة محتدمة هذه الأيام.

ولعلّ الصورة البليغة لفتاة تموت في عرض البحر متأثرة بجروحها البليغة إثر طلق ناري من البحرية الملكية، يستفز فينا السؤال. السؤال الذي لا يمكن أن نجيب عنه بصوت وحيد، بل يتطلب منا صوتا موحداً، تتقدمه الإرادة السياسية وتستقبله الطاقات الشابة التي تهدر في البحر وتتذوق الأسماك طعمها كل يوم، أو طاقات نوعية تهاجر كما تهاجر الطيور نحو ملجأ أفضل. فالذي دفع حياة للهجرة قبل أن يدفن معها حلمها، هو نفسه الدافع الذي يدفع مهندسا وطبيبا ومثقفا، وعالم فيزياء نحو البحث عن الحياة. فكيف نوقف النزيف وننعش الحياة والأمل؟، لنسائل ضميرنا جميعا، فالمجتمع الذي لا يتساءل ويقبل نقد ذاته لا ينتج الحياة. ألا يمكن أن تستفيد دولنا التي تسير في طريق النمو من علمائها المنتشرين في الغرب؟ ألا يمكن لكل هذه الكفاءات أن تعود إذا توفرت الظروف الملائمة للاشتغال والتقدير الذي تستحقه؟



حول هذه القصة

في يوم الجمعة 28 سبتمبر/أيلول الماضي وقعت هزة أرضية بقوة 5.9 درجات على مقياس ريختر الساعة الثالثة عصرا بالتوقيت المحلي في إقليم سولاويزي الأوسط بإندونيسيا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة