الشعور بالوحدة.. لماذا يستمر الضيف الثقيل بالحضور؟

مدونات - الظل

إنه وقت الغروب، ومراسم توديع الشمس للشارع الذي أُحَملِق فيه من فوق شرفة ليست بالمرتفعة كثيراً، لكنها مناسبة للوقوف ومراقبة المارة البائسين والتائهين والمهرولين، لا أدري إلى أين لكن يبدو أنهم يملكون شيئاً مهماً في حياتهم يستحق تلك الهرولة. عودة للشمس مرة أخرى.. لقد غربت وفاتني كالعادة مراقبة اختفاء الضوء من الحي لأجد المصابيح المنصفة للشارع ذاته قد بدأت يومها واستلمت وظيفتها المملة، مملة؟ لا أدري لا أذكر أنها أخبرتني بذلك، ولماذا تخبرني أصلاً؟ أنا لا أعرفها لا من قريب ولا من بعيد، عدا عن أن ذلك ليس شأني أصلاً فأنا لن أفتقدها إن خرجت ليلاً، ولم أجد نوراً أتشبث به حتى الوصول إلى بقعة مضيئة، هل هذا يعني أني اعتدت العتمة في الواقع؟ إضافةً إلى تلك التي أحملها مع الشمس أو بدونها، اعتدت اللامبالاة أيضاً بل أتقنتها، كنت أظن أن امتلاكها صعب لكن الكثير من الضربات.

قطع حديثي التافه مع نفسي ضربات من نوع آخر، وقع أقدام أو ما شابه، حركة غريبة في الخلف.. التفت لأجدها متسمرة، في تلك الوحدة الوقحة، مرة أخرى تدخل عليَ دون أن تستأذنني بذلك حتى أنها لم تطرق الباب ولم تكلف نفسها بترك رسالة تنبهني فيها أنها قادمة، عرفتها من نظرتي الأولى وأردت أن أخفي ذلك فسألتها: من أنت وما حاجتك؟  أنا الظل عبر المدينة الكئيبة أهرب، عبر الويلات الأبدية أطير، وضحكت ضحكة طويلة وأكملت: هذا جوابي على الشطر الأول من سؤالك، سرقته من ذاك الغامض براون، أما الشطر الثاني فأنت تعرفين إجابته جيداً وليس بمسروق من أحد تذكري هذا ومدت يدها.. كنت مضطرة لمصافحتها إذ أن النفور من الضيوف ليس على لائحة عاداتي السيئة باستثناء أني أدرت لها ظهري وتركتها واقفة ولم أرتب لها مكانا لتجلس فباغتتني مرة أخرى بوقاحتها وقامت بسحب مقعداً ضخماً، أزالت عنه ملابسي وأشيائي المبعثرة وجلست، وضعت قدم على أخرى وجالت في المكان بعينيها الثاقبتين ثم قالت وهي تتابع جولتها الدخيلة: أعلم أني لا أنقصك وأنك لست بحاجة لضيف ثقيل مثلي، لا أفعل ذلك بإرادتي، تماماً مثل موقفك من استقبالي، إذن هو شعور متبادل من الثقل والذرع فلتوثقي ذلك.

ولما لم أجف وسط الصحراء التي وجدتني بها، علمت ونفسي أنها قدري المحتوم وجليسي المرتقب وضيف ثقيل فعلاً لا مفر منه.

لماذا أنت هنا إذا؟ – سألتها بتذمر-  أجابت وهي تميل نحوي بثقة بالغة: لأنك بحاجتي. حاولت مقاومة تصريحها الكاذب هذا لكنها لم تترك لي فرصة الرد حين وقفت لتتابع حديثها وبنبرة حادة أطرقت: كلكم كذلك، كل الذين قابلتهم وجالستهم وترعرعت مع أحاديثهم المرهقة وقصصهم المتكلفة أنكروا وجودي بينهم وحاجتهم الملحة إلى الخلوة بي. إلى أن يحدث وتصرخ حناجرهم بذلك، حينها يتكشف الستار عن مخبأي ويأتيني نداء بالرحيل فقد ذاب الصقيع عن ذاك الجسد مأواي وملاذي بلمسة أو عناق من روح أخرى لتلك التي أعتاش من بؤسها وفقرها، وهذه نقطة ضعفي وطريق فنائي، ووجهتي المسدودة

بصوت مخنوق خجول سألتها: وأين تذهبين بعدها؟ إلى وحيد مبتدئ أو عاجز متمرس مثلك تماماً، فأنا لا أخيب أحداً، أنا قريبة دوماً، ذراعيَ مفرودتان على مدادهما وحضني واسع، واسع جداً، قلبي دافئ وعطش.. طرحت ركبتيها أرضاً وراحت تبكي بضراوة حتى ابتلت هي وأنا والغرفة والشرفة والطريق ومصابيحه البلهاء والمارة العجولين والمتبخترين والواقفين.. صنعنا معاً سمفونية بارعة رددناها بانتظام متقن ولم يوقفنا سوى صيف عام كامل جرعت حرارة ظهيرته في بطنها القاحلة آخر أثر من البلل، ولما لم أجف وسط الصحراء التي وجدتني بها، علمت ونفسي أنها قدري المحتوم وجليسي المرتقب وضيف ثقيل فعلاً لا مفر منه. أكرمتها ودعوتها إلى غروب آخر وشمس راحلة على عجل وكعادتي يفوتني وداعها، المارة نفسهم والمصابيح نفسها وأنا وهي كنا نقطع ذات الطريق بعينينا وذراعينا المتشابكين، نحن ثنائي رائع قالت هي وعانقتها أنا حتى غروب آخر وشمس راحلة على عجل..