انهيار الريال اليمني.. خيار الرياض الأخير لتركيع الشعب!

عندما كُنتُ طفلاً صغيراً في منتصف الثمانينات، كان مَصرُوفي المدرسي يساوي ريالاً يمنياً واحداً، كنتُ حينها أصنع من ذاك الريال وجبة إفطار كاملة، كان نصف الريال يعطيني حبة بيض مسلوقة، تساوي في حجمها ثلاث بيضات من تلك التي نشتريها اليوم، أما النصف الثاني من الريال فقد كان كافياً لشراء قطعة خبزٍ كبيرة، أو ما نسميه في اليمن "قُرص روتي" ، يساوي في حجمه ووزنه، قطعة الخبر الفرنسي الملفوف مطلع القرن العشرين، حيث كان يزن 400 غرام، "قرابة نصف كيلو"، فأحصل بذلك على ألذ وأشهى ساندويتش تذوَّقته في حياتي كاملة.

كان ريال بلدي يومها يعادل ربع دولار، بمعنى آخر، كان الدولار الواحد يساوي 4 ريالات يمنية فقط، واستمر على هذا السعر منذ منتصف السبعينات وحتى نهاية الثمانينات، أي قرابة 15 عاماً، ثم بدأ يفقد قيمته تدريجياً منتصف العام 90م، مع إرهاصات حرب الخليج الثانية، أو ما سُمِّي يومها بعملية درع الصحراء، بسبب معاقبة اليمن من قبل السعودية ودول الخليج على موقفه من تلك الحرب، الذي بدا منحازاً للعراق، بشقه الرسمي وليس الشعبي، ليستقر نسبياً عند 12 ريال للدولار الواحد خلال العام 1990م.

مع نهاية هذا العام بدأ التدهور الفعلي للريال اليمني، لأسباب عديدة، أهمها الخلاف الذي كان قد اشتد بين النظامين اليمني والسعودي، بسبب موقف الأخير، المتمثل بنظام الرئيس علي عبد الله صالح آنذاك، المنحاز للعراق كما أسلفت، وهو ما دفع اليمنيون ثمنه باهظاً، وبالأخص منهم المغتربون اليمنيون داخل المملكة، الذين عادوا يومها بمئات الآلاف إلى بلادهم -راغبين أو مُكرهين-، فشكلوا بعودتهم تلك، عبئاً ثقيلاً على بلدهم، المثقل أًصلاً، والذي كان قد انتهى لتوه من إنجازه التاريخي، المُتمثل بتحقيق الوحدة اليمنية.

عَجَز تحالف الرياض وأبو ظبي، وحلفاؤهم الحقيقيون في الداخل اليمني "الحوثيون وبقايا نظام صالح البائد"، عن إزاحة الشرفاء من المشهد السياسي، فكانت العُملة اليمنية هي خيارهم الأخير لتركيع الشعب اليمني

استمرت وتيرة هذا التدهور خلال ما سُمي بالفترة الانتقالية، وهي فترة الأربع سنوات التي تلت تحقيق الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، حتى وصل مطلع العام 95م إلى 158 ريالاً للدولار الواحد، وهي الفترة التي تلت حرب صيف 94م، بين ما سُمِّي بقوى الشرعية والانفصاليين في جنوب البلاد. عندما قامت ثورة الشباب السلمية مطلع العام 2011م، كان سعر الريال اليمني مُستقراً عند 215 ريال للدولار الواحد، ثم وصل إلى 247 دولار في السوق المُوازية، قُبيل تسلُّم حكومة باسُندُوة مقاليد السلطة، ليستقر بعد ذلك عند 214 ريال، طوال فترة تولي هذه الحكومة مقاليد الأمور، والتي سُميت بحكومة الوفاق الوطني، وهي الفترة الوحيدة التي انتعش فيها الريال اليمني، وتوحَّد خلالها سعر الصرف في البنك المركزي اليمني، مع سعر الصرف في السوق المُوازية، أو ما يسمى بالسوق السوداء.

لم يرُق لآل سُعود في الرياض، وآل نهيان في أبو ظبي هذا المشهد المُستقر نسبياً باليمن، في ظل حكومة باسُندُوة، لأن الشرفاء والوطنيون والغيورون على اليمن من أبناءه مشاركون فيها، وهؤلاء السفهاء لا يستطيعون العمل مع الشرفاء والمخلصين لأوطانهم، فكان لا بد من تغيير هذا المشهد بأي ثمن. كان الثمن لتغيير هذا المشهد المُستقر، هو تسهيل مُهمة الانقلابيين، "تحالف الحوثي وصالح" في السيطرة على مدينة عمران ومن ثم العاصمة صنعاء، بتنسيق مع الرئيس هادي نفسه، وهنا كانت الكارثة، رئيس منتخب بالتوافق، يضع رقاب شعبه تحت سيوف أعداءه، بُغية إرضائهم في إخراج الشرفاء من المشهد السياسي اليمني.

عندما خسر الآلات "سُعود ونهيان"، الرهان على إخراج الشرفاء من المشهد السياسي في اليمن، كان قرار الحرب والتدخل المباشر هو خيارهم الأنسب، مستغلين بذلك تلك اللحظة الفارقة التي يمر بها اليمن، للانقضاض عليه والسيطرة على موارده وتقاسم ثرواته، وكان إنقاذ الشعب اليمني من براثن المليشيا الحوثية، مُجرد ذريعة لشن تلك الحرب القذرة، ليصطدموا بالشرفاء والمُخلصين مرة أخرى، فالجميع قد هربوا، وبمقدمتهم الرئيس هادي وأركان حكومته، كما وكل المحيطين به من أركان النظام البائد، ولم يبق داخل الوطن للذود عنه وحراسته، سوى الشرفاء والمُخلصين من أبناءه.

عَجَز تحالف الرياض وأبو ظبي، وحلفاؤهم الحقيقيون في الداخل اليمني "الحوثيون وبقايا نظام صالح البائد"، عن إزاحة الشرفاء من المشهد السياسي، كما ومن الميادين على الأرض، فكانت العُملة اليمنية هي خيارهم الأخير لتركيع الشعب اليمني، فعَمَدُوا إلى تركها مكشوفة الظهر دون غطاء، طوال الأربع سنوات الماضية، فكان من الطبيعي أن تصل إلى هذا المستوى الكارثي من الانهيار، 760 ريال يمني للدولار الواحد، ساعة كتابة هذا المقال، بل لا نبالغ إن قلنا بأنهم قد أسهموا في دعم المتاجرين بها بشكل أو بآخر.

على اليمنيين اليوم أن يقفوا صفاً واحداً في مواجهة عدو واحد مُشترك، هو "التحالف السعودي الإماراتي الحوثي"، ومعهما بقايا نظام صالح البائد، كما وعليهم أن يستمروا في عصيانهم المدني، وفي مسيراتهم السلمية الغاضبة، وتوحيد كلمتهم حول مطلب واحد هو "رحيل القوات السعودية والإماراتية من الأراضي اليمنية"، ورفع دعاوي قضائية عليها في المحاكم الدولية، تطالبهم بالتعويض عن كل ما لحق باليمن واليمنيين من أضرار مادية وبشرية ونفسية، طوال الأربع سنوات الماضية.



حول هذه القصة

أعلنت السعودية تقديم مئتي مليون دولار أميركي منحة للبنك المركزي اليمني، من أجل تعزيز قيمة الريال اليمني، وسط تساؤلات عن حقيقة هذه الوديعة، وتوقيت صرفها، والبنود التي ستذهب إليها.

2/10/2018

قالت السعودية اليوم الاثنين إنها تعمل بجد لتصحيح أخطاء في عمليات الاستهداف ارتكبها تحالفها العسكري في اليمن وأودت بحياة مدنيين بينهم أطفال، لكن خبراء بالأمم المتحدة أبدوا تشككا.

2/10/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة