الاحتباس الحراري.. كيف تؤثر الأنشطة البشرية على تلوث البيئة؟

blogs أشجار

قبل أربع سنوات قليلة، لم يكن يعلم معظم الناس وخاصة في المنطقة العربية عن ظاهرة الاحتباس الحراري واحترار كوكبنا شيء، وخلال تلك السنوات كان أكثر ما يعلمه الناس عن تلك الظاهرة هي أنها لا تعدو كونها مادة دسمة في برنامج وثائقي بيئي ممتع، الآن بات الكل يشعر بأن الاحترار يؤثر على كل جانب من جوانب حياتنا اليومية، فتبدل مواعيد الأمطار وتأخرها أو اختفائها من أمكنة وظهورها في أمكنة جافة وقاحلة، وارتفاع درجة حرارة الصيف وتطرفها أكثر ما بتنا نشعر به كبشر نحيا على الكوكب جراء هذه الظاهرة.

بل إن أنظمة كوكبنا البيئية أصبحت تعاني اليوم من ضياع التنوع البيولوجي الضروري لاستمرار الحياة على الكوكب، كما أن الحيوانات البرية المتبقية بدأت تعاني من اختفاء موئلها الطبيعي، حتى قبل أن يصل إليها الإنسان بحضارته وعمرانه. والآن بدأت تتأثر أيضا الأنظمة البشرية سلبا مثل الصحة، والتي ستواجه قريبا جدا حسب مراقبي المناخ انتشار ناقلات الأمراض كالبعوض، وستعاني البشرية مجددا قبل إيجاد الحلول والأمصال للحيلولة دون قضاء ملايين البشر مع انتشار الأوبئة وتبدل مورثات البعوض وناقلات الأمراض الأخرى.

وسوف يجبرنا التغير المناخي على إعادة التفكير بشكل أنظمتنا الحضرية الحالية بما في ذلك النقل والمباني، وتلك الطرق التي نؤدي بها أعمالنا اليومية، حتى فرص الأعمال الخضراء التي نتجت عن مؤتمرات المناخ الدولية وتوصيات العلماء والهيئات الدولية المعنية بالمناخ، كل ذلك يحدث الآن بعد هذا الشوط الحضاري الهائل التي حققته البشرية، لقد وضع التغير المناخي البشرية في مواجهة مأزق حقيقي وخطير كما لو أنها لم تواجه مأزق من قبل.

أهم الغازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية هما غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث أساسا من حرق الوقود الأحفوري مثل المنتجات النفطية والفحم الحجري، وإزالة الغابات

لكن أخطر شيء قد نتخيله هو حين تواجه البشرية بعد كل هذا، ظهور أسباب جديدة كليا للنزاعات حول العالم، ومنها حين يجبر المناخ الناس والشعوب على الهجرة وترك أوطانها وخاصة من تلك المناطق الساحلية والمنخفضة، وسيظهر ما أطلقتُ عليه حروب الجنسية، حين تغرق الأوطان التاريخية لتلك الشعوب وتختفي كليا أو تصبح شيئا فشيئا غير قابلة للعيش نتيجة تحول التربة إلى وحل مالح واختلاط المياه الجوفية بمياه البحر المالحة فتختفي كل أوجه الحياة بشكل دراماتيكي مؤسف، بالإضافة لاختفاء جنسيتهم إلى الأبد، عندها لن يملك هؤلاء اللاجئين خيار العودة مجددا لأوطانهم كما هو حال اللاجئين السياسيين مثلا، أو أولئك الذين تركوا أوطانهم جراء الفقر والحروب والنزاعات المسلحة.

 

في هذه الحالة فإنه سيتم التخلص منهم بشكل أو بآخر، أو سيتحولون في أحسن أحوالهم إلى عبيد يعملون في الزراعة والبناء وتنظيف الطرق وتلك الأعمال الخطيرة، وستظهر العبودية والرق مجددا بثوب آخر، ولأن هذه الشعوب تختلف ربما عن أولئك الأفارقة الذين عانوا أيام سنوات الرق، ستظهر تلك الجماعات المسلحة والتنظيمات السرية التي ستُنشئ نواة أولية لتلك الحروب التي سيشتعل أتونها في النهاية بعد أن يرفضون الاندماج بتلك الأوطان الجديدة التي ترفض وجودهم أصلا، وسبب الاقتتال هنا ليس المعادن والنفط والذهب والدولار والاقتصاد والمياه، أو الشرق الأوسط المضطرب أبداً، السبب سيكون محاولة الاستيلاء على الرقع الأرضية التي ستصبح من السلع النادرة جدا وقتها، فما بالكم حين يسعى البشر للحصول على تلك الرقع لإنشاء وطن جديد عليها؟!

لذلك ينهمك العلماء اليوم في جميع أنحاء العالم على محاولة فهم كيفية تغير المناخ بشكل أعمق، وكيف ستكون عليه تلك التغيرات في المستقبل؟ وتلك التي يجب علينا أن نتوقع حدوثها، وما هي الأحوال البشرية التي ستؤول إليها جراء ذلك التغير؟ وما هو الدور الذي تلعبه الأنشطة البشرية المتعلقة بالتصنيع والمسؤولة عن إنتاج تلك الغازات الدفيئة، المسؤول الأول عن حدوث ظاهرة الاحتباس الحراري في ذلك التغير الهائل على أحوال كوكبنا؟

وبينما في اللحظة يوجد جدل حول احتمال حدوث تلك التغيرات المناخية المتطرفة، إلا أنه يوجد إجماع علمي واسع على أمرين اثنين:
الأول هو أن ارتفاع درجة حرارة كوكبنا أمراً لا لبس فيه.
والثاني هو أن التأثير البشري على نظام كوكبنا المناخي أصبح واضح للغاية.

لاحظ عزيزي القارئ متى بدأت القصة، منذ عام 1824 كان الفيزيائي الفرنسي، جوزيف فورييه، أول من وصف، تأثير الدفيئة، الطبيعي لكوكبنا. وفي عام 1861 أظهر الفيزيائي الإيرلندي، جون تيندال، أن ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء يمكن أن يسببان تغيرات في مناخ كوكبنا. وفي عام 1895 خلُص الكيميائي السويدي، سفانتي أرهينيوس، إلى أن حرق الفحم الحجري الذي زاد منذ انطلاق الثورة الصناعية الأولى أواخر القرن الثامن عشر سيعزز تأثر الدفيئة.

يجب أن نعلم جيدا الآن أن كوكبنا يمتلك رئتين اثنتين لا يوجد غيرهما، هما البحار والغابات، واللتان تمتصان غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو، والتي يتم الآن تدميرهما بشكل ممنهجيجب أن نعلم جيدا الآن أن كوكبنا يمتلك رئتين اثنتين لا يوجد غيرهما، هما البحار والغابات، واللتان تمتصان غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو، والتي يتم الآن تدميرهما بشكل ممنهج
 

وفي عام 1938 أظهر المهندس البريطاني، جاي كاليندار، أن درجات الحرارة قد ارتفعت خلال القرن الماضي بسبب زيادة تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الجو. وفي عام 1958 تم توظيف عالم الكيمياء الأرضية، تشالز ديفيد كيلينغ، لمراقبة مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل مستمر في الغلاف الجوي لكوكبنا. وفي عام 1970 تم الإعتراف بالغازات الدفيئة الأخرى حين زاد تركيزها في الجو مثل، CH4 غاز الميثان، وN2O غاز أكسيد النيتروز، وCFCs مركبات الكربون كلورية فلورية.

وفي عام 1990 قدم الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ IPCC تقرير التقييم الأول عن حالة تغير مناخ كوكبنا، متكهنا وقتها بزيادة قدرها 0.3 درجة مئوية كل عقد من الزمن خلال القرن الواحد والعشرين. وفي عام 1997 تم تبني بروتوكول كيوتو، نسبة إلى مدينة كيوتو في اليابان التي عُقد فيها المؤتمر سنة 1996، ودخل حيز التنفيذ في عام 2005 واعتبَرَ أن بخار الماء من أهم الغازات الدفيئة، ولكن لأننا نحن البشر لا ننتجه بكميات كبيرة فليس لدينا سيطرة على مستوى تركيزه في الجو.

وأهم الغازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية هما غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث أساسا من حرق الوقود الأحفوري مثل المنتجات النفطية والفحم الحجري، وإزالة الغابات، وتدهور أحوال الباقي منها، وإنتاج الحديد والصلب، وغاز الميثان الذي ينتج عن تربية الأبقار بشكل صناعي من خلال أنظمة تسمينها على نطاق واسع، فعندما تجلس البقرة لتجتر العشب مرة أخرى، ينتج عن زفيرها غاز الميثان الذي يدوم تأثيره في الجو 27 مرة ضعف تأثير غاز ثاني أكسيد الكربون.

يجب أن نعلم جيدا الآن أن كوكبنا يمتلك رئتين اثنتين لا يوجد غيرهما، هما البحار والغابات، واللتان تمتصان غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو، والتي يتم الآن تدميرهما بشكل ممنهج من خلال الأنشطة البشرية المتعلقة بالتصنيع، لصالح تربية الأبقار وزراعة أعلافها، وإقامة مزارع النخيل الزيتي لأجل إنتاج النوتيلا والشوكولا والزبدة النباتية، ولصالح إقامة المصانع التي تُلقي مخلفاتها في البحار والمحيطات، وإقامة المدن الجديدة والمجمعات الحضرية البشرية، والتي تقود البشرية قاطبة بخطى سريعة نحو حروب الجنسية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة