الببغاوات البشرية.. لماذا يعشق الكثيرون ترديد الهراء؟

في إطار التحليل السياسي، والتفكيك العقلاني لمستحدثات الأمور في الساحة العالمية، نجد من الضرورة بمكان أن نتوغل في التعريف الملازم للنجاح، ألا وهو تعريف العقل الذي يقوم بعملية التحليل والدراسة ومتابعة المستجدات وقولبتها في إطار التحليل الموضوعي، بعيداً عن الغلو والإفراط والتفريط. واقع العالم العربي، واقع تركيا، روسيا وأطروحاتها الاستراتيجية الجديدة، داعش ما بين نشأتها ودعمها وضربها، فلسطين وسوريا والعراق واليمن، إيران وتوجهاتها، حالات التسلح العربي الآخذة بالتعاظم، الواقع المصري، ليبيا، كلها ملفات حساسة على رقعة الشطرنج العالمية، تتعامل معها دوائر صناعة القرار العالمي اليوم بنمط جديد ومختلف كلياً عن السابق.

 

أمريكا اليوم ليست هي بالأمس، وتركيا اليوم ليست تركيا الأمس، والنفوذ الإيراني اليوم ليس كسابق عهده جغرافيا وسياسياً، ومصر اليوم ليست مصر الأمس، والسعودية اليوم ليست في واقعها الجيوسياسي كالسعودية بالأمس، وهذا معناه بالضرورة؛ ألا يقف المحلل السياسي أو الإعلامي أو المتابع المختص لهذه الملفات على القاموس الروتيني في تحليل مفردات المشاهد فيها، بل يجب الغوص في التفاصيل المعاصرة بلغة عصرية، وبدراسات سياسية معرفية تخطيطية متجددة مبنية على البيانات والمعطيات الحديثة.

 

هنا تأتي مسألة العقول الشفافة، وهي كارثة بشرية ابتلينا بها في عالم الإعلام والسياسة العصرية، فمن يتابع نشرات الأخبار وضيوف البرامج السياسية والفكرية، يشاهد نماذج لببغاوات بشرية تعيد وتكرر العبارات التي يتم سماعها من قنوات أخرى، أو وسائل إعلامية أخرى، وكأن هذا الإنسان بات صاحب عقل شفاف تماماً، تكاد ببصرك تخترق عقله لتنفذ منه إلى عوالم عقول أخرى، وما هو في الحقيقة إلا ببغاء يحاول أن يثبت نفسه من خلال صناعة بعض العبارات التي اقتبسها من هذا المحلل أو ذاك السياسي أو تلك القناة!

 

مشكلتنا ليست في الفقر، أو في ملفات كثيرة تتصدر الإعلام اليوم، بل مشكلتنا الحقيقية في وجود "النخب" التي تتصدر المشهد وهي ليست له بأهل

إن حاجتنا اليوم ماسّة لعقليات سياسية ذات قدرات تخطيطية تستوجب ميلاد جيل يفهم علم الإدارة العصري؛ ويعرف أبجديات السياسة المحلية والعالمية، ويستطيع الوقوف على نقاط القوة والضعف فيها، ليقوم بعملية تمحيص ودراسة واعية لكل هذه المعطيات، ويقدم الحلول الإبداعية لها في ظل الممكن والمتاح، وهذه هي السياسة بجوهرها، ولسنا بحاجة إلى نسخ كربونية من البشر تنعق بلا وعي ولا بصيرة.

 

يسوؤني جداً مشهد بعضهم "المحللين السياسيين" أو "جهابذة الإعلام" أو "عمالقة الفكر السياسي" وهم يتحدثون للعامة عبر وسائل الإعلام وهم لا يستطيعون التفريق بين الفرص والمهددات، ولا يعرفون الخط الفاصل بين الهدف والوسيلة، فتراهم يزمجرون ويرغون ويزبدون على الشاشات ولم تستفد الأمة منهم خطة عملية واحدة، أو مشروعاً يمكن تطبيقه على أرض الواقع، وهم بعقولهم الشفافة باتوا مصدراً مشخّصاً في الطب العصري للإصابة بأمراض الضغط والسكري والجلطات القلبية.

 

هي رسالة لكل صاحب مسؤولية في عالمنا العربي والإسلامي، أن يتم حجب هؤلاء عن المشهد، وألا يتم الزج بهم في مشاهد التحليل السياسي أو الفكري، لأن إثمهم أكبر من نفعهم، ولأن وجودهم يعني إتاحة الفرصة للمخططات الدولية أن تمرر علينا ونحن مشغولون بالأخذ والرد، والشد والجذب، والتعامل مع ردود الفعل على تصريحات جوفاء من شخصيات لا يمكن للإنسان الواعي أن يعول عليها في بناء دولة أو مجتمع أو منهجية فكرية.

 

وإلى هؤلاء أقول، مشكلتنا ليست في الفقر، أو في ملفات كثيرة تتصدر الإعلام اليوم، بل مشكلتنا الحقيقية في وجود "النخب" التي تتصدر المشهد وهي ليست له بأهل، فإذا تحدثت في السياسة لوثت العقول، وإن تكلمت بالاقتصاد شوهت المفاهيم، وإن أرادت أن تنفع فاح ريح ضررها ليسمم العقول. فما هي حقيقة الواقع؟ وما هي حقيقة ما يجري؟ ومن سمح لهؤلاء بالظهور ولماذا؟ وكيف نبني أولويات بناء مجتمعاتنا في ظل وجود أصحاب الببغاوات البشرية هؤلاء؟ أظن أن خطوة البدء في تصويب المسار تبدأ من هنا، من هنا تحديداً.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة