أكتوبر الأسود.. شهر سقوط الذكريات!

مدونات - الأسود

مرحباً أكتوبر شهر الخريف وحافة النهايات.. شهر سقوط الذكريات كسقوط أوراق الأشجار.. شهر البدايات الجديدة والملابس الصوفية الدافئة. تليق به الشكولاتة الساخنة.. والأكل كثير التوابل وخاصة التقليدي الأصيل، لكنه غير ذلك في المغرب. اختارنا أكتوبر لإظهار وجهه الأسود فلطالما عرفناه بشهر متقلب المزاج لكننا لم نشك لوهلة أن طبعه الحاد قد يخلف لنا تاريخا لا ينسى. لم ننتظر منه أن ينزع سترته الهادئة ليفاجئنا هو الآخر بمحنة من المحن، ونحن من كما نتغزل فيه وننتظر قدومه حتى يحمينا من حرارة الصيف.

خاب ظننا فيك وكنت الغامض الذي يزورنا خفيفاً، ويغادرنا مسرعاً.. لا قدومك يثقلنا ولا غيابك يفرحنا.. فرغم مزاجيتك كنا نستأنس بك وننسى مواجعنا. وكيف الحال الآن بعدما أصبحت أنت أيضاً موجعاً. اشتد بنا الحال ضاقت قلوبنا ونحن في انتظار الفرج.. كثرت مآسينا بين معتد ومعتدى عنه.. ظالم ومظلوم.. شوارع كنا نتغزل بهدوئها باتت مسكناً لقطاع الطرق.. أحداث مرعبة متناثرة هنا وهناك وكأننا في فيلم عنون بمجاري الدماء..

حربنا هذه اقوى من حروبهم، فإذا كانت حروبهم مقتصرة على دمار البنايات بصواريخ وقنابل وغازات، فذلك بفعل عدو معروف ويظل الأمر أهون من حرب داخلية بعدو غير معروف، يصوب أسلحته نحو الفكر والأخلاق، حتى أصبح لنا جيشاً من القتلة يتنزه بين الأزقة بسكاكين ومناشير وسيوف. لا الأمن قادر على إيقافهم ولا نحن قادرين على العيش بينهم، شحبت وجوهنا خوفاً وهلعاً مما نعانيه ونراه كل يوم. وبعدما كنا نستيقظ على فيروزيتانا وقطرات الشتاء، أصبحنا نبدأ يومنا بصفحة الأحداث، مذعورين من أن يكون ضحية اليوم من معارفنا، هذا إن لم تكن أنت عنوان الجريدة.

بصيص أمل لا زال يلوح في الأفق ولا زال البعض لم يُضم بعد إلى قافلة الراحلين، فيكفي أن يتم روي ظمئهم بالصفاء والصدق والعدل والمصداقية حتى يتمكن من العطاء بشكل صائب

تعسرت الحياة على هذه الرقعة وتفاقم الفساد فيها، فبعد خبر نحر تلو الاخر وخبر اغتصاب الأطفال الذي بات كخبر متداول بشكل عادي، وصل الأمر إلى قوارب موت أخدت العشرات من الشباب في محاولة الهرب من بؤس هذه البؤرة. لكن حظهم العاثر جعلهم لقمة سهلة لأمواج لفظت ما تبقى منهم على سطح البحر، متأسفة وحزينة على المشاركة في الجريمة. هؤلاء الشباب سارعوا إلى القوارب وجازفوا وهم على دراية بقرب الموت منهم، لكنهم اختاروا الإقدام عليه معلنين البقاء بدون مجازفة هي في الأصل موت بطيء. وما زالت الرقعة تسود وتضيق أكثر، إلى أن بلغت أوجهاً حاصدة أرواحاً بالجملة، هذه المرة فوق سكك حديدية. تختلف الأحداث والسبب واحد يلخص تحت مفرد التهميش، وكأن الشقاء عمامة اختارت أن تلبس على رؤوسنا بثلاثاء أكتوبر.

نساء أطفال شباب ورجال.. كلٌ ملطخ بالدماء منهم من فقد أطرافه ومنهم من تركت منه الفاجعة سوى بضع أشلاء.. أما الناجين فيكفي أنهم من الشاهدين على هول هذه النازلة. صراخ هنا وهناك واسعافات محدودة تقوم بواجبها في نقل المصابين، فالشعب ينقد الشعب.. أما الكبار فلا يقلون القطارات وهذا سبب كاف ليتغاضوا عن الصيانة ومراقبة السكك. لو انحرف القطار بفعل الشتاء أو صاعقة ربانية كنا سنناجي القدر، لكن لا يجب تعليق مآسي من فعل البشر بإسم القدر.

وسط كل هذا السخط وفي ظرف هذه المأساة، أظهرت عصارة أبناء هذا الوطن حس الوطنية الحقة، تبرعاً بدمائهم لضحايا قطار الموت. منهم من استغل مواصلاته لإيصال العالقين إلى بيوتهم، ومنهم من فتح بيته لاستقبالهم. وإذا كان مفهوم الوطنية عند البعض هو السكوت عن الحق وتقبل الاحتقار والتهميش حتى يتغدى القوي على الفقير بدون إزعاج، فإن شعلة الأمل في هذا الوطن عرفوا الوطنية بتعريفها الحق، وذلك بشد أياديهم على بعضهم في فترة الحزن. ومهما تزاحم مسؤولي هذا البلد حول الحلوى يهتفون لتقسيمها بينهم إلى جانب الثروات، فإن شبابنا تشاركوا الوجع بينهم حتى لا يحمل أحد وزراً أكثر من الآخر.

بصيص أمل لا زال يلوح في الأفق ولا زال البعض لم يُضم بعد إلى قافلة الراحلين، فيكفي أن يتم روي ظمئهم بالصفاء والصدق والعدل والمصداقية حتى يتمكن من العطاء بشكل صائب. غيمة الهم المطلة بسماء المغرب لم تزدنا سوى فاجعة إلى جانب الفواجع السابقة وتاريخ أسود آخر يعلق بذاكرتنا الحادة، ولازال شعبنا يبتسم رغم كل ما حلَّ به محتسباً صابراً لعلها تفرج من عند الخالق.