هل تعرف قياس حذائك؟!

blogs أحذية

لم أكن يومًا من عاشقي الأحذية الكثيرة المتناثرة التي تتباهي بها النساء عادة، تعودت منذ صغري أن أمتلك واحدًا يفي بكل الأغراض، لم تكن لدي رفاهية استبداله إلا عندما يعلن احتضاره. بعد مرور سنوات تغيرت.. أصبحت الأحذية مهمة بقدر ما بحيث أوليها وقتًا وجهدًا فأختارها بحيث تناسب لون ملابسي، بعضها بكعب عال والكثير منها من دونه، ملونة لتمنحني قدرًا من البهجة.. لكنها جميعًا تناسب مقاسي تمامًا. مؤخرًا اكتشفت أنني صرت أمتلك زوجين من الأحذية أكبر من مقاسي، أحد تلك الأزواج تزين مقدمته نقوش جلد أفعى مزركشة بالأبيض والأسود.. وهو الأكثر غرابة بين اختياراتي، فهذا هو الكائن الوحيد الذي أخشاه على وجه الأرض.. أخاف غدره المفاجئ المميت وأكره قدرته على التسلل من دون أن نشعر به، يزعجني هدوءه الذي يمنحه مزيدًا من الهيبة والفرصة في آن لينقض على فريسته.. وأقع في غم حقيقي عندما يراودني في حلم.

 

المثير للدهشة أنني أمتلك اثنين من الأحذية أصغر من قياسي أيضًا! تورطت في شرائها إما لعجلة ألمت بي قبل موعد أردت لحاقه فتسرعت أو لحظة غضب لهثت فيها خلف شيء ينسيني ما يحزنني، أضف إلى ذلك خجلي من ذلك البائع الذي ظل يساعدني ويحاول جاهدًا أن يبقي ابتسامته رغم تنقلي السريع بين حذاء رياضي مريح وآخر بكعب عالٍ لا يشبه الأول في شيء. في كل الأحوال أتخذ قرار الشراء وأمضي.. أعاني في ارتداء الأكبر ففارق القياس يجعله يخرج من قدمي بسلاسة كلما هممت بالتحرك؛ فلا تنجح محاولاتي في وأد الفجوة بوسادة لقدمي تتوسط المسافة الفاصلة بينهما، ولا تفلح لفة صغيرة من القطن الناعم بمقدمته في إصلاحه. يواصل الحذاء الخروج من قدمي كلما أودعته ثقتي ورفعتها لأتخذ خطوة للأمام فأسرع كي أخطف خُطاي فينزلق بعيدًا عني ثانية، أشعر بالحرج، وكأنه ليس حذائي، هي مباراة حتمية إذن، فلا فرصة لدي لتكبير حجم قدمي الآن في هذا العمر ولا طائل من إبطاء خطاي.

 

لهذا لا أملك سوى أن أدعو كي يمر الوقت سريعا فتنتهي تلك الورطة، وعندما أصل بيتي أعلن عزمي  عدم انتعاله مجددًا رغم وقوعي في غرامه وتنازلي عن أهم ما قد يميز حذاء وهو مقاسه لمجرد الحصول عليه، ناهيك عن المبلغ الباهظ الذي دفعته لأقتنيه.. وأتمنى لو تركت آخر احتياطيًا بالسيارة كما تفعل النساء عادة. ورغم يومي الذي أفسده انشغالي بلحظة الوصول للتخلص من هذا الخيار السيء، فكل هذا أمر هين مقارنة بما يفعله الأصغر قياسًا، فرغم الفارق البسيط في المقاس إلا أنه لا يكتفي بضغط قدمي طوال مدة ارتدائه وكأنني توسدت تابوتًا خشبيا تعمد صانعه ذلك كي لا يترك فرصة لأحبته لوضع شيء إلى جواره، فلا مساحة فيه سوى لقدمي المحشورة بقسوة تنازع ضغطه وحريتها المفقودة.

 

جميعنا نمتلك الخير والشر في آن، نشارك في اقترافه بأدوار رئيسة أو ثانوية كاختيار أشخاص لا يناسبون المساحة التي نمنحهم إياها.. ورغم ذلك قد لا نستطيع الجزم بمدى رعونة ما يقترفونه

لم تردعه كل تلك اللحظات التي أتخلى فيها عن عاداتي بالمشي مهرولة لأمنحه فرصة الرحمة.. فلا يلتفت؛ بل يغرس نتوءات مؤخرته الخشنة التي ربما نسي صانعه أن يصقلها قبل أن يعتلي أرفف الأحذية الأنيقة في تباه بلونه الوردي الذي لا يشي بغير المودة، فيحفر علامة بارزة في مؤخرة قدمي ما تلبث أن تدميها وتترك فقاعة تؤلمني طوال اليوم.. خلال أيام حريتي منه أو عقابي لا أدري أيهما أدق، أقاوم ألمي وأتواءم قليلًا مع وجعي، أتحسس موضع الفقاعة التي تقرر مواصلة الصمود ولا تفقأ نفسها فأمنحها وخزة سريعة فتفيض بدموع لا أدري أهي تواسيني أم تمهد لذلك الألم الحاد الذي يلي فعلتي المتهورة. وهكذا أكون قد منحتها فرصة البقاء طويلًا، فذلك الأثر البني الذي بات يصبغ جلدي لا ينمحي، أتحسسها كل فترة رغم أنها لم تعد تؤلمني وسؤال يتردد بداخلي لماذا تنتصر القسوة رغم الإيثار!؟

 

عندما راجعت أسباب شرائي لتلك الأشياء التي من المهم فيها القياس من دون الاعتداد به لم أجد سببا وجيها واحدا غير شدة تعلقي وقناعة تشدني بأنني قادرة على إصلاح كل شيء وأي شيء. تذكرت وقتها صرخة صديقتي الغاضبة بعد حوار قصير عن شخص أمطرني ألمًا وقالت "متى تتوقفين عن التماس الأعذار للآخرين، ليس منطقيًا أن تجدي لكل ذنب مبررًا" قالتها وهي تشيح بيديها في إشارة إلى أنها ملت مني، لم تدهشني كلماتها فقد سمعتها من قبل تتردد داخلي عدة مرات. قلت لها: "ربما هي حيلة لتجنب الألم!؟ يبدو أنني لم أعد قادرة على تحمل التحولات، أضفي عليها في خيالي صفات وأبحث عن مبررات لأبقى في أمان ولو قليلا".

 

قالت: "هذا الأمان مزيف، أتودين أن تواصلي العبث بحياتك طويلًا!" قوية جملتها رغم إيجازها.. ولكنها ربما تكون حقيقية.. فكما أمنح فقاعة قدمي وخزة خلاصها أفعلها مع البشر، ولكنهم ينافسون محاولاتي المستميتة للتبرير لهم بمقدرتهم على ملء فقاعاتهم بالكثير من المياه المالحة ويطيلون حبسها فتسيل مع أدق وخزة، وقتها ربما لا تسعفني طاقتي بفهم مدى هشاشة غشائها الذي كنت أحسبه متينًا!

"يعتقد بعض الأشخاص بأنهم جديرون بإغداق الوعود. ويتقبل البعض الآخر أي شيء يضمن لهم أياماً أفضل. فالذين يعدون ولا يفون يشعرون بالعجز والكبت، وينسحب الأمر ذاته على من يتشبثون بالوعود"

– الزائر الغريب في رواية باولو كويهلو" الشيطان والأنسة بريم".

 

أثناء جلوسي على أحد شواطئ الخليج، ذلك المكان المهجور تمامًا في فصل الصيف، اقتحمت خلوتي سيدة أنيقة الملبس، على أعتاب الخمسين ربما لكنها تبدو أصغر سنًا، ألقت التحية وبدأت الحديث من دون استئذان، كتلك الريح التي هبت تحرك الموج دون مناسبة، مهدت بحكاياتها مع البحر وعشقها لتلك البقعة بالذات والتي اتضح أنها تقضي فيها صباحات عدة وحيدة.. بعد كثير من الحكايات القصير منها والطويل، سألتني فجأة، كم شخصًا تكرهينه!؟ باغتني السؤال وللوهلة الأولى كنت سأقول ربما اثنين على الأكثر، ورحت أقلب الأسماء في ذاكرتي، قبل أن أجيب أردفت العجوز: تمهلي قليلًا أعني هنا المعنى الحقيقي للكره، ذلك الشخص الذي لا تودين رؤيته أبدًا ولا تستطيعين أن تغفري ما فعله معك يوم اللقاء المحتوم! استوقفتني جملتها، عادة أتألم بسهولة، خاصة ممن أحبهم لكنني وجدت لساني يسبقني.. "لا أحد" رغم كل الخسارات التي عشتها لم يدخل أحد في دائرة الكراهية عندي.

"كذلك كان الظلم، في بداية العالم تافهاً جداً، ولكن كل جيل أضاف إليه مما عنده، معتبراً أن الأمر غير ذي بال، وانظري أين أصبحنا الآن"

– (بيرتا: العجوز المتأملة) في رواية باولو كويهللو الشيطان والآنسة بريم.

 

جميعنا نمتلك الخير والشر في آن، نشارك في اقترافه بأدوار رئيسة أو ثانوية كاختيار أشخاص لا يناسبون المساحة التي نمنحهم إياها.. ورغم ذلك قد لا نستطيع الجزم بمدى رعونة ما يقترفونه في حياتنا أو جماله، فربما وجهونا إلى مسارات جديدة لم نكن لندخلها لولا مرورهم باذخ الألم. ربما يشبهون كثيرًا الأفعى تلك التي زينت مقدمة الحذاء وتشكل الشيطان على هيئتها يوم أغوى أبوينا آدم وحواء، ففي الوقت الذي قامت فيه بالغواية في الوقت ذاته لعبت دورها في تحقيق مشيئة الله ومرورنا ها هنا.