شعار قسم مدونات

هل يمكننا حقا اتخاذ قرار للسعادة أم للواقع أحكامه؟

مدونات - السعادة

في الآونة الأخيرة بِتُ أسمع كثيراً مقولة "السعادة قرار" فتجوب في ذهني أسئلة شتى، هل بإمكان أي إنسان أن يحيى سعيدا؟ وهل بإمكاننا أن نجعل السعادة عادة؟ هل هي قريبة منا ولا تقتضي إلا مجموعة من الأسس نتعلمها ونطبقها؟ وهل هي منوطة بالإيمان والتدين؟ رحت أبحث عن معانيها وحقيقتها ومكانها، فوجدت أن أكثرنا لا يعرفها، وأننا لن ندرك حقيقتها إلا بإدراكنا لأمرين، لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر:

الأول أن تركيبة الإنسان عبارة عن ذات حقيقية وأنا زائفة، حيث تبحث الأنا عن القَبول والقوة والتميز والنجاح ونيل الإعجاب من الغير، مما يحقق لها نشوة سرعان ما تضمحل. أما الذات الحقيقية فهي المصدر الأساسي للرضا والسلام الداخلي، وتبحث عن الحب الذي يسمو بالروح ويعليها، تلك الروح التي لا تستمد قوتها إلا من مصدرها الأعلى الذي برأها وسوَّاها.  فالأنا تتوهم أن سعادتها في استقلاليتها وتميل إلى الركض خلف الماديات التي رغم زخرفها وبهرجها والفرح الذي تجعلنا نعيشه، يذهب أدراج الرياح سريعاً وتحل محله الوحشة والهموم والوحدة. وقد يجد الإنسان سعادته في هوايته المفضلة أو في الجلوس مع صديقه الصدوق أو في السفر أو حين يرتدي ثوبه الجديد، ولا نختلف أن أقصر الطرق إليها كذلك أن نهديها للآخرين.

وقد يفرح غير المؤمن بلذتها لكنها سريعا ما تنتهي، أما المؤمن فهو كيِّس ينشد سعادة الدارين ولا يجعل هذه الحياة محطَّ رحاله.

فترانا نُفرِّج كربة ونمسح سقماً وننقش بسمة ونهدي كلمة طيبة تعكس أثرها على أرواحنا فتزهر هي الأخرى، لأن من نواميس هذا الكون أن الجزاء من جنس العمل، لكن التساؤل الذي يشغل العقل هو كيف يدوم هذا الشعور حتى وإن غاب كل ذلك وفقدنا تلك الماديات؟ إن السعادة الحقيقية تبقى شعلة لا تنطفئ في فَيَافِي الروح حتى في أحلك حالاتنا وأشدها صعوبة، ولا يمكن بلوغها إلا بزاد جم من الروحانيات والعبودية التي تمنحنا الصلابة الداخلية. هي التي لا تتأثر بالنوائب والنوازل والتي جعلت بن تيمية يقول: "ماذا يصنع بي أعدائي؟ جنتي وبستاني في صدري أينما ذهبت فهما معي، سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة". كلمات تنبع من الإيمان الصادق والتدين الحق الذي يعين على مجابهة الصعاب. سعادةٌ شبهها بالجنة الغنَّاء لا يضيرها نفي ولا يعكر صفوها قتل ولا سجن.

ولو كانت في المال والشهرة والهوايات لما انتحرت الممثلة "مارلين مونرو" بعد أخذ ثلاث زجاجات دواء، والرسام "فان كوج" صاحب لوحة "ليلة النجوم" الشهيرة الذي أطلق النار على نفسه. والمصور "كيفن كارتر" الذي حاز على أرقى تكريم في مجال الفوتوغرافيا بعد رحيله لجنوب إفريقيا لنقل صور المجاعة والفقر للعالم، وغيرهم من المشاهير والسياسيين الذين عانوا من الاكتئاب الحاد الذي قادهم إلى الانتحار ولم يُغن عنهم مالهم ولا شهرتهم شيئاً.

أما الأمر الثاني، فإن جزء من معرفة السعادة الحقيقية وإدراكها أن نعرف حقيقة الحياة الدنيا والغاية من وجودنا فيها، حيث وصفها الله تعالى بكونها زينة ولهواً ولعباً. وجعلنا فيها خلفاء، شرع لنا الأخذ من متاعها دون نسيان ما خلقنا لأجله وهو عبادته تعالى، وقد يفرح غير المؤمن بلذتها لكنها سريعا ما تنتهي، أما المؤمن فهو كيِّس ينشد سعادة الدارين ولا يجعل هذه الحياة محطَّ رحاله. وإذا جعلت الأمم المتحدة في تقرير السعادة العالمي معاييرًا تقدر من خلالها رفاه الشعوب، فإن أهم معيار ينبغي أن يكون هو القيم الأخلاقية والعطاء والتضحية وقبل كل هذا العبودية لأن الدنيا ليست نهاية آمالنا.

إن السعادة التي حيرت الفلاسفة الوجوديين والمفكرين أكبر من أن نحصرها في لذة خارجية عابرة، فهي أقرب منا من حبل وريدنا، هي في فَيَافِي أرواحنا تنتظر منا أن نقرر. فنجعلها عادة بالموازنة بين الماديات والروحانيات، وأن نكبح جماح تسلط الأنا ونقمع سلطانها، ونسعى للدار الباقية بأعمالنا ونسمو بتلك النفخة التي أودعها الله فينا.