لو قرأ قتلة خاشقجي لمكيافيلي.. لما نهشوا لحمه كالضباع!

blogs بن سلمان وخاشقجي

كتب أحدهم عن مقتل الصحفي "خاشقجي" بلغة تهكمية ما معناه، أن التاريخ يعيد نفسه، إنه ليس سوى تكرارا لأحداث الماضي، فبينما أرسلت قريش نفرا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، بتدبير من أبي لهب، أرسلت حثالة السلطة في السعودية طاقما لقتل الصحفي، إنه نفس نمط التفكير الجاهلي العدواني والهمجي، لكن بفارق بسيط يكمن في الاستعاضة عن السيف بالمنشار.

وتعليقا على هذا الحدث الأليم كتبتُ في إحدى تدويناتي، لو قرأ المذنبون السعوديون جيدا هذا الكلام لشيطان السياسة "مكيافيلي" لما وقعوا في هذا الفخ الذي سيكلفهم الكثير، يقول مكيافيلي ناصحا أميره: "على الأمير الذي يجد نفسه مضطرا على تعلم لغة الحيوان أن يحاكي الثعلب والأسد معا، حيث أن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الفخاخ، والثعلب لن يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام الذئاب وكل من يرغب في أن يكون مجرد أسد ليس إلا أن يفهم هذا"، فأتاني رد جميل من أحد زملائي فحواه أن هذه الحثالة وجدت ليكونوا ضباعا، أما كلام "مكيافيلي" فلندعه لأحفاده من الغرب والأمريكان، فهم من يقرأ له.

في حقيقة الأمر، وبعد تأمل يلاحظ أنه يوجد بين الجاهلية والضبع و"مكيافيلي" وهذه الشرذمة من القتلة شيء من الائتلاف كما هنالك شيء من الاختلاف! عند العرب يضرب بالضبع مثلا في الغدر؛ وقصة الضبع الملقبة ب "أم عامر" راسخة في مخيال العقل الجمعي للعرب. تقول القصة أن صيادين طاردوا "أم عامر" حتى دخلت مخبأ أعرابي، فخرج إليهم وطردهم مُجيرا إياها منهم، فتركوها ورجعوا من حيث أتوا، فقدّم الأعرابي للضبع حليبا وسقاها ماء حتى عاشت واستراحت، وعلى حين غرّة غدرت به، فبقرت بطنه وشربت دمه، ولما جاءه ابن عمه بعد حين فوجده على هذه الصورة أنشد يقول:

 

ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي الذي لاقى مُجير أم عامر

أمير مكيافيلي ليس طيبا ولا خيرا، بل قاسيا وفظيعا، ناقضا للوعد، متكبرا ومتعجرفا، داعرا وفاسقا، كافرا وملحدا. طبعه الأساس هو البخل والتقتير ولا يخشى أن يوصف بذلك

ولعل في هذه الحكاية اجتماع للغباء الذي يمثله الأعرابي مع الغدر الذي تتصف به الضبع، وهما نفس السمتان الذميمتان المجتمعان في قتلة صاحب قلم حر "خاشقجي"، جريمته الوحيدة هي أنه ما ارتضى لنفسه أن يكون ضبعا! إنه حقا غدر سخيف لم يكن ينتظره أن يأتي ممن أجارهم بلسانه ودافع عنهم بقلمه زمنا طويلا، وبما أن التاريخ يعيد نفسه كما قال صاحب التدوينة الأولى، فإنه من الجدير بالذكر ذلك الغدر الذي طال النبي صلى الله عليه وسلم، لا لشيء سوى أنه أراد انقاذ قومه من الضلال والجهل والاستبداد، فلولا لطف الله للقي حتفه بعد ما لم يجدوا غير عليّ نائما مكانه وعيونهم تتطاير شررا حسرة على فشل المكيدة.

 

أما الغباء فيكمن في البلاهة والبلادة التي اتسمت بها خطة قتلة خاشقجي داخل القنصلية والتي اتهمت صورة دولة بكاملها قامت على الجهل والعبث والاستهتار بأرواح الناس أمام العالم بأسره. حتى قال بعضهم: لا يفتضح أمر القاتل المحترف سنين طويلة وربما يختفي أثره الى الأبد، أما القاتل الغبي فيعرفه العالم في أقل من ربع ساعة!، كما لا ننسى كذلك أن الضبع يضرب بها المثَلُ بالفساد، فمن المعروف عنها إذا وقعت في الغنم عاثت بإفراط، ليس كما يفعل الذئب مثلا إذ سرعان ما يقنع ويكتفي بما يكفيه؛ ومن هنا يمكن أن نسقط قضية فساد الضبع بما يحصل الآن في بلاد اليمن من إفساد في الأرض وخراب لوطن واتلاف للبنيان وتجويع للإنسان!

أما علاقة "مكيافيلي" بهؤلاء الأشرار فهو حديث ذو شجون، إن كتاب "الأمير" للكاتب الإيطالي المتضمن لعدة نصائح وتوجيهات قدمها لأمير "فلورانسا" من أجل استعادة لحمة وقوة إيطاليا التي عرفت اضطرابا سياسيا في القرن السادس عشر يعتبر من أهم ما كتب في الفكر السياسي الكلاسيكي. لذلك ليس غريبا أن نرى تعلق هتلر "بمكيافيلي" المولع بقراءة كتابه "الأمير" كل يوم قبل النوم، و"موسيليني" في اختيار كتاب "الأمير" كموضوع لأطروحته، فمن المفترض تحول هذا الولع بنصائح وتوجيهات "الأمير" إلى خصائص تميز شخصية كل منهما أو إلى واقع نفسي يعيشانه لما عرف عليهما من تماثل الى حد كبير في الطبع المتسم بالحدة والشدة دون مراعاة قواعد الأخلاق والفضيلة. طبعا كلام مكيافيلي لن يقرأ له سوى أحفاده من الغرب، كما قال صاحبنا، أما هؤلاء الأراذل من الأعراب فلا أعتقد ذلك!

لذلك نقول أن أمير مكيافيلي ليس طيبا ولا خيرا، بل قاسيا وفظيعا، ناقضا للوعد، متكبرا ومتعجرفا، داعرا وفاسقا، كافرا وملحدا. طبعه الأساس هو البخل والتقتير ولا يخشى أن يوصف بذلك، فالشح هو إحدى الرذائل التي تمكنه أن يحكم وهو مرتاح، لأن الشعب سيعتقد أن أميرهم يؤمّن بذلك الوسائل اللازمة ضد كل من يفكر بإشهار الحرب عليه، كما سيقوم بمشاريع كثيرة في مصلحتهم دون أن يرهقهم. الأمير ليس رحيما بل قاسي القلب، غليظ الطبع، ولا يعبأ بوصمه بتهمة القسوة لأنه يريد وحدة رعاياه وولائهم. فمادام الناس ناكرين للجميل ومتقلبين ومرائين وشديدي الطمع فلا ينتظر منهم المحبة والإخلاص. الأمير ليس وفيا بعهوده بل شخصا محتالا وماكرا وداهية يتمكن سريعا من الضحك على عقول الناس وإرباكها، لذلك يحاكي الثعلب والأسد معا، ثعلب ليتجنب الفخاخ وأسد لتخاف منه الرعية.

حذاقة
حذاقة "مكيافيلي" تكمن في اختيار مثال الثعلب للدلالة على الذكاء الذي على الأمير إتقانه، أما نباهة زميلي فتكمن في اختيار مثال الضبع للدلالة على الغدر الذي تعرض له الصحفي
 

هذه بعض من الخصائص التي يتسم بها أمير مكيافيلي حتى يستطيع الحفاظ على منصبه في الحكم، وحتى يحافظ على وحدة أمته وقوتها تجاه كل من يهدد عرشها الداخلي، فكل السبل والوسائل متاحة ومشروعة مادامت الغاية وراءها تصب في مصلحة الحاكم واستقرار وضعه، لكن من دون أي تهور أو حماقة أو طيش. ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من الصفات ما يتقاطع مع قتلة "خاشقجي"، فالطمع مثلا والقسوة والفظاعة ونقض الوعد والتكبر والتعجرف، والدعر والفسق وقسوة القلب وغلظة الطبع هي تلكم النقاط المشتركة بينهما.

أما المختلف فيه، فيمكن أن نتحدث على سبيل الذكر لا الحصر على الأقل على خصلتين اثنتين هما: مكر الثعلب ودهاؤه وعدم الاكتفاء بقوة الأسد وصلابته، بعكس ما جرى في طريقة اغتيال الصحفي والتي اتسمت بالبلادة والافتقار إلى التخطيط المحكم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، الشح والبخل الموصى بهما في كتابه "الأمير" أي عدم إضاعة المال وصرفه بشكل مبالغ فيه وبغير وجه حق، على خلاف ما نراه الآن من تبذير لأموال طائلة وصرفها على الأسلحة أو في ما لا فائدة منه أو تقديمها كهدايا مقابل حماية كرسيهم من عملية إزاحة مفترضة!

إن حذاقة "مكيافيلي" تكمن في اختيار مثال الثعلب للدلالة على الذكاء الذي على الأمير إتقانه، أما نباهة زميلي فتكمن في اختيار مثال الضبع للدلالة على الغدر الذي تعرض له الصحفي، ونضيف نحن سمة الغباء التي كيلت للأعراب ولهؤلاء الأعراب، لنخلص في الأخير إلى أنه لو قرأت القتلة الأعراب الأغبياء على الأقل كتاب "مكيافيلي" لسلموا من لقب "أم عامر" الضبع"!