هل باع أردوغان دم خاشقجي؟!

blogs أردوغان

من الصعب والسابق لأوانه استنتاج أمر مثل هذا، فأردوغان في موقف صعب وحساس، وتبعاته في حالة التسرع قد تكون مكلفة لتركيا واقتصادها، فأردوغان والأتراك كمن يمشي على البيض محاولا الوصول لهدفه دون تكسير البيض، ولهذا تعامل الأتراك مع قضية مقتل منذ البداية من زاوية جنائية، ورفض المسؤولون السياسيون التفاعل مع الأمر وترك القضية للبحث الجنائي، ورمي الكرة في مرمى السعوديين، لكن غباء السعوديين جعلهم يعتقدون أن الأتراك لا يعلمون الحقيقة، بل إنهم بدأوا في تحميل مسؤولية اختفاء خاشقجي للأتراك، وهكذا بدأت لعبة التسريبات التركية مباشرة بعد حوار القنصل السعودي مع موقع رويترز، وبعد حوار محمد بن سلمان مع بلومبيرغ، والذي صرح من خلاله بأن خاشقجي غادر القنصلية!

لذلك عمل الأتراك على خلق رأي دولي ضد السعودية، وحشد الدعم الدولي ضد السعودية، وتوريط الرئيس ترمب الذي يعرف الأتراك انه سيحاول الدفاع عن ولي العهد السعودي. ولأن الأتراك يعلمون أن الفاعل الرئيسي والقادر على التأثير على ال سعود هو الأمريكيين، فكانت أغلب تسريباتهم للصحف والقنوات الأمريكية الكبرى وهو أمر نجح فيه الأتراك نجاحا مذهلا، لتصادفه مع الصراع السياسي الطاحن بأمريكا، ولأن السعودية أصبحت عدوا وخصما للكثير من القوى الإقليمية والدولية، بالإضافة لسمعة السعودية السيئة على الصعيد الدولي بسبب حرب اليمن وانتهاكات حقوق الإنسان بالمملكة.

المطلوب من أردوغان في ظل هذا الوضع الدولي المتشعب هو إرجاع الملف لسكته الحقيقية وهي الطبيعة الجنائية، وإعلان ما تتوفر عليه سلطات التحقيق التركية من معلومات، وترك التقدير السياسي للمجتمع الدولي

ومن مصلحة تركيا إسقاط محمد بن سلمان، فهذا الأخير حول العقيدة الخارجية للسعودية نحو مواجهة حركات الإسلام السياسي بمختلف روافدها، ونحو كل القوى الداعمة لحركية الربيع العربي، ولهذا تم حصار قطر واعتقال كل سعودي مدافع عن الحرية أو يشم صلته بالحركة الإسلامية، كما بدأ بن سلمان في مهاجمة تركيا، بحيث صنفها ضمن محور الشر، ودعم الانقلاب العسكري في تركيا، وبدأ في دعم أكراد سوريا بالمال والسلاح، بل إن اختيار تركيا لتنفيذ عملية خاشقجي كان الهدف منها توريط تركيا وتحميلها مسؤولية اختفاء خاشقجي، وعوض أن تكون السعودية في موقع الاتهام ستتحول تركيا للمتهم الرئيسي في الاختفاء، وهو ما من شأنه دب الرعب في المعارضين المتواجدين في تركيا، وتصوير هذه الأخيرة بمظهر الدولة المنفلتة أمنيا، مما قد تترب عنه تداعيات كبرى على السياحة التركية، وقد رأينا كيف بدأ المقربون من بن سلمان في مطالبة السعوديين بعدم اختيار تركيا كوجهة سياحية.
   

وبالرغم من أن إسقاط بن سلمان أصبح مطلبا حتى داخل فئات واسعة من الأسرة الملكية، إلا أن مطالبة أردوغان بالدعوة لإسقاط بن سلمان أمر لا يستقيم، وفي كل الأحوال لا يقدر أردوغان على القيام به لأنه يتجاوزه، ولمعرفة أردوغان أن أي مطلب مثل هذا قد يدفع العلاقات السعودية التركية نحو الحافة، خصوصا في حال استمرار بن سلمان في منصبه أو باستبداله بأحد إخوته كما يروج في الصحافة الغربية.

 
وهنا لابد من استحضار التجربة التركية في دعم ثورة الشعب السوري، فقد أدى الأتراك ثمنا باهظا لدعمهم للثورة السورية، لكن الدول الغربية لم تكن صادقة في نصرة الشعب السوري في مواجهة النظام الأسدي المجرم، وتركت تركيا تواجه لوحدها تبعات الحرب المدمرة في سوريا، وهي تبعات أصبحت تهدد الأمن القومي التركي، جراء الدعم الأمريكي لأكراد سوريا، وتحول الأجندة الدولية من مطلب إسقاط بشار إلى مطلب مواجهة الإرهاب، بل أصبحت الدول الغربية تتحدث عن إشراك الأسد في تقرير مستقبل سوريا ونظام حكمها.

  

هذا فضلا عن التبعات الاقتصادية التي تحملها تركيا جراء إيواء اللاجئين السوريين وتوقف العلاقات الاقتصادية مع النظام الأسدي، وفتح جبهة غير متوقعة مع روسيا جراء إسقاط إحدى طائراتها الحربية، وهو الحدث الذي تعرضت فيه تركيا للخذلان من طرف الدول الاعضاء في حلف شمال الأطلسي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فالمطلوب من أردوغان في ظل هذا الوضع الدولي المتشعب هو إرجاع الملف لسكته الحقيقية وهي الطبيعة الجنائية، وإعلان ما تتوفر عليه سلطات التحقيق التركية من معلومات، وترك التقدير السياسي للمجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة التي تبقى الفاعل الرئيسي في الملف.