متلازمة ستوكهولم.. الوباء الذي أصاب الدول العربية!

blogs متلازمة ستوكهولم و الأنظمة القمعية

من النادر جدا أن نخلط بين السياسة وبعض العلوم الأخرى نظرا لاختلاف الظروف وحتى طريقة المعالجة بالرغم من إقرارنا بأنها محور لكل العلوم، غير أن استثناءات واردة تجعلنا نسقط بعض الأمثلة النفسية على بعض الظواهر الاجتماعية ذات البعد السياسي، فهل صادفت من قبل أن بعض "الأنظمة العربية" تقوم بالتضييق على شعوبها وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة لتتعدى سلب حق إبداء الرأي والممارسة السياسية وتقرر أخيرا تصفية من يغرد خارج السرب ومع ذلك تجد رد فعل داخلي يتماشى مع مخرجات هذه السلطة وقد يصل الأمر حتى التعاطف معها بالرغم من أن قراراتها مجحفة وغير مؤسسة وتتنافى مع جميع المبادئ والأكثر من ذلك هي ضارة أكثر من أن تكون ذا منفعة؟

  

ما يجعلك تطرح العديد من الأسئلة في مخيلتك، هل هذا الأمر منطقي؟ ما الدافع الذي يجعل شعوبا تطبل لحكامها بالرغم من أنها غير مستفيدة من الوضع! لتواصل تساؤلك حول نجاعة معالجة ظواهر سياسية باستخدام وسائل نفسية؟ ما الذي يجعلنا نحلل بمقتربات بعيدة تماما وقد لا تضعنا في الطريق الصحيح لتفسير مثل هاذه الظواهر؟، لذا اخترت الغوص أكثر ومحاولة فهم هذه "الحالة النفسية" التي تعاني منها فئة كبيرة دون وعي منها على أن تكون الشعوب العربية نموذجا.

  

ما هي متلازمة ستوكهولم؟

سيتبادر إلى ذهنك عند قراءة العنوان أن هناك مصطلحا غامضا بعض الشيء يجعلك تستفسر عن هاذه الحالة أو كما يسميها علماء النفس "متلازمة ستوكهولم"! يعطي علماء النفس بعض التفسيرات حول هاذه الحالة نفسية التي تصيب الفرد وتدفعه للتعاطف أو التعاون مع العدو بعد تعرضه لأحد حالات الاضطهاد "كالاغتصاب، أو الاختطاف، أو الضرب" كما هو الحال في المعتقلات السياسية حيث تظهر بعض علامات الولاء للمعتدي وهي حالة مغايرة لما يطلق عليه بـ "غسيل الدماغ"، وظهر هذا المصطلح منذ أربعين عاما نسبة للحادث الذي وقع سنة 1973 في مدينة "ستوكهولم-السويد-" حيث حاول " جان أولسون" سرقة بنك قام من خلالها باحتجاز أربعة رهائن لـ 6 أيام متواصلة وعند محاولة إنقاذهم قاوم هؤلاء المختطفين رجال الشرطة ودافعوا عن مختطفهم حتى أنهم قاموا بجمع التبرعات للدفاع عنه أمام القضاء في تصرف غريب عاشته السويد في تلك الفترة، ما استدعى عرض هؤلاء على طبيب نفساني الذي اكتشف الحالة المرضية الغريبة.
  

تدرك الأنظمة أنها استولت على شعوبها وتصبح جل القرارات التي تصدرها فعالة ومقبولة ويحتضنها الشعب، ليصبح نمط عيش تلك الشعوب مشابه لحكوماتهم ويصبح القمع والذل يمشي في عروقهم

لتتواصل بعد ذلك العديد من النماذج المشابهة كالتي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974 حيث تم اختطاف فتاة تدعى "لباتي هيرست" في كاليفورنيا من قبل مجموعة من الثوار لتبدي بعد ذلك الفتاة تعاطفها مع مختطفيها وتشاركهم بعض جرائم السطو، وقد أخلي سبيل الفتاة بعد أن برهن محامي الضحية أن موكلته تعاني بما يسمى "متلازمة ستوكهولم" والتي تفسر تلك المشاعر الغير المنطقية التي تجعل الضحية يتعاطف مع مختطفه. وقد كانت أخر القصص حول هذا المرض تلك المتعلقة بحادثة اختطاف الفتاة "ناتاشا كامبوش" لمدة ثماني سنوات حيث قام الجاني بممارسة أقسى أنواع التعذيب، غير أنه تقارير إعلامية نقلت أنه وبعد تحرير الضحية شعرت بنوع من التعاطف مع مختطفها ما جعلها تنهار بالبكاء وتزور قبره!
  

كيف تحدث متلازمة ستوكهولم؟

يفيد الطبيب النفسي الأمريكي "فرانك أوشبيرغ" الذي قدم تحليلا منطقيا حول الأسباب التي تدفع الرهائن التعاطف مع مختطفيهم أو تعاطف الضحية مع الجاني من خلال وضع بعض المعايير التي من خلالها نتعرف على الأسباب الخفية لهاذه الظاهرة: يفيد الطبيب أنه في الأول يحدث للضحايا نوع من الصدمة تجعلهم يعتقدون أنهم على مشارف الموت تزداد نبضات قلبهم لدرجة أنهم يصبحون غير قادرين على التصرف كالإنسان الواعي، وبمجرد أن يقوم الجاني ببعض ردود الأفعال الإيجابية تجاه الضحية كتقديم "الأكل والشرب والاهتمام" يتولد لدى هؤلاء الضحايا بعض من الارتياح ما يجعلهم يرفضون من خلالها فكرة أن ذلك الشخص هو من عرضهم للخطر.

  

الأنظمة القمعية صورة مطابقة "لمتلازمة ستوكهولم"!

تعيش الدول العربية وعلى المستوى المجتمعي العديد من أعراض المتلازمة، حيث يعاني شعوبها نوعا من التضييق على الحريات والاضطهاد وتصل حتى التصفية والممارسة الغير شرعية التي تقوم بها أنظمتهم التي وصلت معظمها عن طريق الانقلابات العسكرية أو الحكم الملكي المطلق الغير ديمقراطي، حيث يتحتم على شعوبها العيش بطريقة هاذه الأنظمة المستبدة لفترات طويلة الأجل حتى يحدث نوع من الاعتياد على طريقة ذلك الحكم والخوف من الخروج عن ذلك الطريق ما يجعل هاذه المجتمعات تلبس ثوب الضحية بعد أن تفنن النظام في استبدادها. ومع مرور الوقت تدرك الأنظمة أنها استولت على شعوبها وتصبح جل القرارات التي تصدرها فعالة ومقبولة ويحتضنها الشعب، ليصبح نمط عيش تلك الشعوب مشابه لحكوماتهم ويصبح القمع والذل يمشي في عروقهم لدرجة أنها تخشى حتى تأييد الأصوات التي تطالب بالتغيير نحو الأفضل واستحداث إصلاحات جذرية أو المطالبة بتغيير نظام الحكم أو الوجوه التي تتمسك بالسلطة.

  

وفي صورة مشابهة تماما لمرض "متلازمة ستوكهولم" أي يقوم الضحية بمساندة مختطفه تتحول الشعوب العربية إلى الدفاع بشراسة عن مخرجات أنظمتها القمعية وتعدد محاسنها القليلة التي تقدمها لها متناسية الكم الكبير من السلبيات التي تعيشها في صورة تجعلك تنبهر لكل هاذه الردود المؤيدة لسلطة كانت ومازالت قمعية لشعبها! ما أريد أن أصل إليه، ألم يحن الوقت بعد أن تستفيق الشعوب العربية وتتوجه إلى أطباء نفسيين لتعالج من مرض التطبيل لحكوماتها، ألم تنتبهوا بعد إلى أنكم مشاركين في جريمة تخلف بلدانكم سياسيا، ثقافيا، اقتصاديا بتأييد مخرجات تعكس طموحاتكم وتطلعات أبنائكم؟